رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
(قارن يوحنا ١: ١٤). ذلك أننا نلمس فيما وراء سر الخطية، حكمة الله المحبة للبشرية. وفي قيامه بخلق عالم يصبح في إمكانه الدخول إليه، خلق الله الإنسان رجلاً وامرأة على صورته. إن خلق مثل هذه الكائنات استتبع كنتيجة لابد منها إمكانية قيامها بالتمرد عليه. إن مثل هذا التمرد أو العصيان لا يمكن أن يعوقه أو يُربكه أو يربك مقاصده ويشوشها، إنها ولابد وأن تستدعى تلك الخصائص التي تسمو على غيرها، والتي لا تنقصه وأعنى بها محبته السخية التي عبّر عنها على الصليب. وعلى هذا، فإنه قد أتى لكى يقهر الخطية في المنطقة التي جعلتها ملكاً خاصاً لها، أي آدم، الذي من لحم ودم. وقد تحققت المصالحة بواسطة موت الابن، معلنة بأجلى بيان عن محبة الآب (رومية ٥: ٦-١٠). إنها هذا الإعلان الذي يستجمع ويحشد حمد السماء، هو الذي يدعو بولس الآن أهل كولوسى أن يشاركوا فيه.
نحن الآن في وضع يمكننا فيه أن نستعرض القصيدة في شمولها، وأن نقيّم مدى إسهامها في تحقيق التطور الفكرى الذي نلمسه في هذه الرسالة. إن أهل كولوسى المسيحيين (ونظرائهم المحدثين) يتحتم عليهم أن يشكروا الله، لأنه في المسيح قد أعلن أنه هو الإله الواحد لكل الأرض، والخالق وفادى الجميع. إنه ليس بمنافس آخر – كإله يهودى بالذات – لآلهة العالم الوثنى. إنه الحاكم الأعلى فوق الجميع. لقد وهب نفسه للعالم بذبيحة نفسه المحبة لهم، ليخلق من البشرية الخاطئة شعباً خاصاً له، مستهدفاً أن يأتى بالكون كله – في النهاية – إلى عالم جديد يتسم بالنظام والانسجام. إن هذا كله قد عمله في وبواسطة يسوع ابنه، تعبيره الذاتى البشرى الكامل.
ومن خلال عديد من النقاط التي عرضناها هنا والتي يمكن تطويرها فإن بولس يلقى الضوء على نقطتين:
أولاً: (٢: ٦-٢٣). لقد قام يسوع بالدور الذي نسبته اليهودية إلى «الحكمة» و«الناموس». وإنه لا يجب على أي مسيحى أن يعمل على تقوية تحرره، رجلاً كان أو امرأة، من طغيان الروح المسيطرة على العالم باتخاذه حماية إضافية من الناموس اليهودى. إن أعمدة اليهودية الثلاثة وهي التوحيد والاختيار والتوراة قد أعيد تحديد مفاهيمها في المسيح وبواسطته. فإنه بامتلاكنا للمسيح – والأفضل بامتلاك المسيح لنا– يصبح المسيحى فعلاً بالغاً حد الكمال (٢: ١٠ الترجمة الرسمية AV) .
ثانياً: (٣: ٥-٤: ٦). إن الحياة الجديدة في المسيح ليست أقل من بداءة الخليقة الجديدة. وإذا كانت خليقة جديدة فإنها تكون البشرية الجديدة. إن المسيحيين يشاركون فعلاً في العصر الجديد الذي ابتدأ في يوم الفصح. ولقد تحقق ذلك في مصطلحات القداسة العملية التي لا تعوق ولا تقف عثرة في طريقة الإنسانية الكاملة، بل إنها تسهّل طريقها وتفرز مسيرتها. فإذا ما أردنا أن نطبق ما قدمه لنا بولس هنا على مشكلات أخرى تخص الربع الأخير من القرن العشرين، فإن في مقدورنا أن نفعل ذلك بطرق متنوعة، مدركين أن مثل هذه المسائل ليست مجرد مشكلات تفسيرية بسيطة، بل هي تطبيقات تفسيرية محتملة. وعلى هذا، وعلى سبيل المثال، فإن التوحيد الذي غالباً ما يؤخذ على اعتباره بديهية مسلّم بها، ما يزال حتى الآن مسألة حيوية. فإننا إذ نؤكد اليوم أن الإله الواحد الخالق قد أعلن نفسه كاملاً وبصورة نهائية في يسوع المسيح، فإن مثل هذا الإعلان سيكون عرضة لمخاطر النقد على أساس أنه نوع من الغطرسة أو التعصب. إن رسالة الكنيسة، ليست مع ذلك هي دفع المسيحيين