سراج الكلمة
‹صفحة ٦٢ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٦٢

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


الإنسان إلى سقوط الخليقة (فارن رومية ٨: ١٩-٢١). إن بولس، وهو حالياً مقيد بالأصفاد بين جدران سجنه، يعلم تمام العلم أن العالم كله يظل غير واعٍ بما أنجزته المصالحة على الصليب، وحقيقة أن الله سوف يعيد خلق العالم وقواته الإنشائية لكى تعكس مجده بدلاً من الغطرسة البشرية. ولهذا كان فى استطاعة بولس أن يتحدث أيضاً عن انتصار الله فى المسيح عليهم كقوى معادية (٢: ١٥). إن خطط الله لتحقيق التناسق الكامل النهائى لخلق سماوات جديدة وأرض جديدة حيث يجب أن يقضى على كل الشرور بواسطة المدى البعيد الذى تحقق بعملية الصلب. إن كل الخليقة يجب أن تتغير فى ضوء النتائج البعيدة المدى للقيامة من بين الأموات.

(ج) ومع ذلك، فإن عملية المصالحة بين الله والبشر لا تحدث ببساطة نتيجة لبعض العمليات الآلية. كان بولس يؤمن بوضوح أنه كان فى إمكان بنى البشر أن يرفضوا هبة الله بالخلاص، وأنه فى يوم الدينونة الأخير، فإن أولئك الذين فعلوا ذلك، سيكون من نصيبهم أن يُرفضوا (انظر رومية ١: ١٨-٣: ١٩، ١٤: ١٠، ٢كورنثوس ٥: ١٠، ٢تسالونيكى ١: ٥-١٠).(۱) ومن حيث أنه لم يخبرنا قط عن الكيفية التى يمكن بها أن يوفق بين هذا الذى يقوله وبين مصالحة «كل الأشياء» فإنه من الخطورة بمكان أن نخمن بما كان يمكن أن يقوله. ولكن الفقرة الحالية، ومثيلتها فى ٢كورنثوس ٥، توحى بتعليقين:

أولاً: إن بولس يؤكد المجال الواسع المدى والكونى لمقاصد الله للمصالحة، وأن أقل ما يمكن توقعه هو خلق خليقة جديدة بالكامل.

ثانياً: إن «المصالحة» التى هى عبارة عن إعادة قيام علاقة متبادلة، لا يمكن أن تحدث آلياً، فى عالم العلاقات البشرية الذى أخذ عنه بولس هذا المجاز اللغوى. إن المصالحة بحسب المصطلحات اللاهوتية تحدث «إن كان أحد فى المسيح» (٢كورنثوس ٥: ١٧)، وهى فى موضع آخر مرتبطة بعلاقة تبادلية واضحة مع الإيمان والمعمودية مثلاً (رومية ٣: ٢١-٣١، ٦: ١-١١، غلاطية ٣: ٢٦-٢٩). إن التوسع الذى تم لفقرتنا فى (٢: ٩-١٢) فى رسالة كولوسى توحى بأن هذا هو الأسلوب الأمثل الذى عالج به بولس موضوع المصالحة. انظر أيضاً التعليق على (الآية ٣: ٦) فى ما بعد.

٥- إن الأحداث غير العادية للتجسد والصليب لم تكن من قبيل «أهون الشرين» أى اختيار أفضل الأساليب الخاطئة، أو أنها اتخذت على مضض أو لمجرد أنها كانت هى مجرد السبيل الممكن الوحيد والذى لا مندوحة عنه. إن الله لم يعمل بهذا السبيل فحسب بل «وجد مسرّته فى»، عمل هذا الأمر. إنه اتخذ الجسد البشرى لكى يأتى بالخليقة إلى أوجها (١: ١٥-١٧)، لقد أكمل قصده الأبدى حيث جعل البشرية سيدة هذا العالم والمتسلطة على أموره. فكم «سُرَّ أن يسكن» فى جبل صهيون(۲)، هكذا فإنه الآن قد سرّ أن يسكن بين شعبه فى هيئة بشرية


(۱) وقد فشلت محاولات تجميل ما جاء فى رومية ٥: ١٢-٢١ أو ١١: ٢٥-٢٧ بمعانى عكس ذلك.

(۲) انظر المزمور ( ٦٧: ١٧) وفى الترجمة السبعينية (٦٨: ١٦).