رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
ذاته» أى «وحدة كاملة»، والتي أضفى عليها فيما بعد تحديداً بقوله: «الكل ما في السماوات وما على الأرض، ما يرى وما لا يرى، سواء كان عروشاً أم رياسات أم سلاطين»، وتوضح ترجمة (NIV) المماثلة التي بين هذه الآية والآية (٢: ١٥) بترجمتها الكلمة اليونانية (archai) إلى كلمة الرياسات في الآية (١: ١٦) وفي الآية (٢: ١٥). وأينما نظرت، وكيفما كانت الحقائق التي تفكر فيها، تتكشف لك الكينونات (entities)، والتي حتى وإن تعترف بالحقيقة، إلا أنها تدين في صميم وجودها إلى المسيح. إنها عمل يديه. لقد اختار بولس أن يذكر هنا بصفة خاصة ما نطلق عليه حالياً القوى البنائية للكون. وقد دار جدل كبير حول تحديد طبيعة هذه السيادات. إن بعض المصطلحات اللغوية التي يستعملها بولس هنا تنتمى إلى النظم الفوق طبيعية المعقدة في الفكر المعاصر غير المسيحي. ومن هنا فليس من السهل إيجاد حد فاصل بين كل من هذه المصطلحات اللغوية المختلفة. فمن المحتمل أن يكون المقصود من «العروش» القوى الأسمى من «السيادات والرياسات والسلاطين»، وبينما تتضمن العروش والرياسات في اليونانية المنصب المسند إلى الإنسان، فإن «السيادات» و«السلاطين» تشير إلى وجود أولئك الذين تُمارس عليهم هذه السيادة أو السلطة. وإيا كان الأمر، فإن بولس لا يهتم بأن يسجل هذا وفق ترتيب خاص، أو التمييز فيما بينهم بعناية قدر اهتمامه بالتأكيد على سمو المسيح على كل مظاهر السلطة والسلطان. أما بالنسبة لمدلولها في عصرنا الحاضر، فمن المسلم به غالباً أن لغة بولس في الحديث عن بنية القوى فوق الطبيعة والتي في حاجة إلى تفسيرها في ضوء الميثولوجيا وعلم الأساطير، وأن ننقلها إلى لغتنا الحالية ومدلولاتها عن القوى النبوية السياسية والاقتصادية والتي تسود عالمنا الحاضر اليوم. ولا شك أن لنا الحق كل الحق في أن نفعل ذلك، حيث إنه لم يكن هناك لدى بولس تفرقة أو تمييز واضح بين القوى الروحية والقوى الأرضية التي في يدها مقاليد الأمور والسلطان (وبالمعنى الذي قصد في يوحنا ١٩: ١١، رومية ١٣: ١-٧) والذين يحملون هذا السلطان بتفويض من الخالق باعتبارهم ممثلين له على الأرض(١). وفى نفس الوقت لا يجب علينا أن نتجاهل (العنصر فوق الطبيعي) أو (الشيطاني)، في هذه «السيادات»، فأى شئ يقدم البشر له الطاعة والولاء اللائقين بالله فقط يمكن أن تزعم لنفسها مثل هذا السلطان وأن تمارس هذه السيادة بأسلوب فاسد وشرير من منطلق السلطة التي اغتصبتها بدون حق لنفسها. ولقد كانت هذه السيادات بالنسبة لبولس قوى غير منظورة تعمل في العالم من خلال الديانات الوثنية، والتنجيم، أو السحر، أومن خلال النظم الاستبدادية الظالمة التي استعبدت بسلطانها المطلق بني البشر (انظر الشرح فيما بعد على الفقرة ٢: ١٣-١٥).
ومهما يكن الأمر، فليس هناك أية سيادات مستقلة في ذاتها عن المسيح؛ ذلك أن الكل به وله قد خلق، هنا مرة أخرى نجد الأداة (كل)، والتي يجب أن نترجمها باعتبارها «وحدة كاملة». أما عبارة «به» فمن المناسب أن تترجم (من خلاله)، كما أن «له» ترجمتها الصحيحة «من أجله» أما عبارة «قد خلقت» فلقد وردت هذه المرة في صيغة الفعل التام بالمقابلة مع صيغة الماضى الناقص (خلقت) في بداية الآية. ومرجع الاختلاف هو أنه بينما أشار بولس سابقاً إلى عملية الخلق الاستهلالية، فهو يشير إلى نتيجة هذا العمل الاستهلالي: الكل به قد وجد من
(١) ولهذا السبب كان على بولس أن يفسر في (كورنثوس الأولى ٢: ٨)، «كيف أن عظماء هذا الدهر، قد صلبوا ربهم. إنه يقول عنهم إنهم لم يعرفوه، وإنهم لو عرفوا لما فعلوا ذلك الذي فعلوه.