سراج الكلمة
‹صفحة ٥٧ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٥٧

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


كانت له مع الآب نفس العلاقة التى كانت مقصودة أن تكون للبشرية منذ خلقها مع الله خالقها. لقد كان القصد من البشرية أن تكون أداة الله الكاملة للتعبير عن ذاته فى هذا العالم الذى خلقه، لكى يتسنى له أن يعيش بطريقة لائقة بين شعبه كواحد منهم، ليكون فى مقدوره أن يحكم الخليقة بالحب كمخلوق منهم. يقول أغسطينس إن الله قد خلقنا لنفسه، وربما كان يعنى معنى مخالفاً نوعاً ما لما نفهمه من الخلق. إن تعليم التجسد الذى ينبثق من هذه المقولة، لا يستطيع بالتحديد أن يستخلص من تعريفه المفهوم الحقيقى للاهوت أو الناسوت. فالواقع إنه فى يسوع المسيح فحسب يمكن أن نقف على المفهوم الحقيقى للاهوت، وأيضاً مفهوم «الناسوت»، وبدونه ننزلق إلى أصناف من الأفكار أدنى من المسيحية، بل وحتى إلى الوثنية، وبعد ذلك نتساءل عن السبب أن تعليم التجسد يشكل بالنسبة لنا صعوبة كبيرة.

لقد انتحى بولس بأسلوبه منحى معيناً جعله يقول عن هذا التعليم وبأسلوب شعرى، إن الإنسان يسوع المسيح يتمم المقاصد التى عينها الله لنفسه وللبشرية جمعاء.(١) إذاً . . . فقد حلّ على يسوع المسيح الدور الذى كان على البشرية أن تقوم به، ومن ثم الدور الذى كان معيناً لإسرائيل: أن يكون «المسيح بكر كل خليقة». لقد أعطى لقب «البكر» لإسرائيل فى العهد القديم (خروج ٤: ٢٢، إرميا ٣١: ٩، قارن مزامير سليمان ١٨: ٤، عزرا ٦: ٥٨)، كما أعطى مرة واحدة للمسيا الداودى الآتى (مزمور ٨٩: ٢٧). وقد حاول بورناى (Burney) بقوة (كما ذكرنا آنفاً) أن هذا الاسم يشير إلى رمز «الحكمة» فى أمثال (٨: ٢٢). وعلى هذا ينقل إلينا هذا الرمز فكرة الأولوية فى كل من الزمن والرتبة، ولا يجب علينا أن نستأثر بأى من الخيارين (وفى إعادة صياغة العبارة لتوضيح المعنى، فإن ترجمة (NIV) تسمح فقط بفكرة المرتبة rank): لأن اختيار الأسبقية فى الزمن لا يتضمن أن أزلية ابن الله تعنى أنه أول الكائنات التى خلقت. إن معنى الاستمرارية الزمنية التى يحملها لفظ، «بكر» واضحة تماماً من الآية ١٨ (قارن رومية ٨: ٢٩) وتعطى فكرة مماثلة لتلك المعبّر عنها فى ترجمة (NEB) الإنجليزية (ليوحنا ١: ١) «عندما بدأت كل الأشياء، كان الكلمة موجوداً سابقاً». وفى الترجمة العربية «فى البدء كان الكلمة». إنه استناداً إلى الوجود الأزلى الأبدى يكون ابن الله صاحب المرتبة الأسمى.

(عدد ١٦): أن تكون هذه هى الطريقة الصحيحة لقراءة (الآية ١٥)، يؤكّده مباشرة القول: فإنه «فيه خُلق الكل» إنه ليس ببساطة جزءاً من العالم المخلوق ذاته. إن بولس يقول فيه رغم أن الكلمة اليونانية (en) يمكن أن تعنى «به» (by) كما تعنى أيضاً «فيه»، إلا أنه من الأفضل أن نحتفظ بالترجمة الأصلية على إعادة الصياغة حسب ما فعلته ترجمة (NIV). إنه لا توجد هناك فحسب مماثلة مقصودة مع (الآية ١٩)، الذى لولاه، - لتفقد هذا التماثل - بل إن صيغة المبنى للمجهول «قد خلق» تبين، بالأسلوب اليهودى النموذجى، نشاط الله الآب، العامل فى ابنه. فلو أننا قلنا «به» هنا وبنهاية (الآية ١٦)، فإن هذا قد يتضمن ليس أن المسيح هو «قوة الآب»، ولكنه يكون هو فقط المسئول عن عملية الخلق.

«كل الأشياء» وهى فى اليونانية معها أداة تبين أن بولس يرى أن هذا العالم المخلوق هو «كل منفرد فى


(١) عن الفكرة ككل انظر أيضاً (٢كو٤: ٤) فى قرينة (٣: ١٨، ٤: ٦، ٥: ١٧-٢١، ورومية ٥: ١٢-٢١، ١كو ١٥: ٢٠-٤٩).