سراج الكلمة
‹صفحة ٥٦ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٥٦

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


الذي نعرفه الآن كملكة. قد وُلد في تلك السنة. وعلى هذا فإن الآية (٢كورنثوس ٩:٨ «فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من أجلكم افتقر وهو غنى لكى تستغنوا أنتم بفقره»، وهذا لا يعنى أن ذلك الأزلى كان آنذاك يسوع، المسيّا، ولكن أن الشخص الذى نعرفه الآن كيسوع، المسيا، يجب أن نعده وكيلاً عن الله الأزلى.

(د) كانت خلفية بولس اليهودية هى التى أمدته بمقولاته عن تلك الفكرة المثيرة، ولكنه كعادته ينقحها ويعطيها صورتها الجديدة التى بين أيدينا. كان بعض اليهود يعتبرون «الحكمة»، أو «الناموس الموسوى» كينونات على نحو ما شبه إلهية وموجودة منذ الأزل، فهى بذلك ليست سوية للتوحيد، بل معبّرة بأسلوب لغوى عن بعض مظاهر شخصية الله. وبطريقة مماثلة بقى بولس موحداً بصورة مؤكدة، ومستخدماً تلك الأفكار الرئيسية ومطبقاً إياها على يسوع، وعلى هذا استطاع أن يقول (الآية ١٩ ، ٩:٢) أن فيه سر أن يحلّ كل الملء. إن «يسوع» و «الله» على الرغم من كونهما يعنيان نفس الشئ، إلا أن بولس يميز بينهما بطريقة منتظمة، فالله هو «الآب»، ويسوع هو «الابن» أو «الرب». ولكن يسوع ليس إلهاً ثانياً. إن موته (الآية ٢٠) هو إنجاز الله ذاته. لقد اعتبر بولس أن يسوع هو ذلك الواحد الذى كان، والذى هو على الدوام، ملء اللاهوت، ولكنه مع ذلك يمكن التمييز بينه وبين الآب من الناحية الفكرية. إن ربّ العالم الموجود منذ الأزل أصبح رب الكنيسة (١: ١٨-٢٠) لكى يصبح رباً، بكل معنى الكلمة، للعالم الذى خلقه والذى تمرد عليه.

(هـ) إن أهل كولوسى (وهذه هى القرينة اللاهوتية فى سياق الرسالة) قد أعلنوا ولاءهم وقدّموا طاعتهم ليس لأحد الرموز اللاهوتية لرب من الأرباب ولكن للرب الإله الذى به العالم قد خلق. إن الفداء الذى تم فى المسيح هو بالفعل «التكوين الجديد». والكنيسة فى واقع أمرها هى البشرية الجديدة (٣: ١٠-١١). لقد تعلم اليهود الشئ الكثير عن طبيعة إلههم بعد ما فداهم من مصر (انظر خروج ٣: ١-١٧، ٦: ١-٨)، كذلك يمكن للعالم الآن أن يتعلم من خلال الإنجيل الحقيقة الكاملة عن الله الذى خلقه. إن أفكار «الخروج» التى تتضمنها الآيات (١: ١٢-١٤) تنتمى «على هذا النحو وبصورة مؤكدة» إلى الموضع الذى وجدت فيه فى هذه القصيدة الشعرية. إن تجسّد وصلب يسوع، هى فى ذاتها أعمال معلنة ومحققة لما سرّ الله الخالق أن يعمله (قارن ٢كورنثوس ٥: ١٩ مع كولوسى ١: ١٩-٢٠). إن القصيدة الشعرية لا تخلّف لنا الكنيسة والعالم، ومعهما فقط صورة المسيح المجيد، ولكنها تتركهما ومعهما رؤيا الإله الرؤوف المحب والتى تحمل أيضاً معنى الإله الخالق الفادى.

(عدد ١٥): يبقى أمامنا الآن أن نملأ فراغ التفصيلات فى القصيدة الشعرية، لنرى كيف تم التعبير عن هذا اللاهوت الزاخر الغنى أنه (هو) ابن الله الذى به نلنا الفداء، والذى هو صورة الله غير المنظورة، لقد كتب يوحنا فى مقدمة إنجيله (١: ١٨): «الله لم يره أحد ولكن الابن الوحيد هو الذى جعله معروفاً(١). لقد جُعلت البشرية على قمة الخليقة الأولى (تكوين ١: ٢٦-٢٧). كما أن الناسوت الحقيقى ليسوع هو ذروة تاريخ الخليقة، وفى نفس الوقت هو نقطة البداية للخليقة الجديدة. فمنذ الأزل، كان يسوع فى ذات طبيعته «صورة الله» عاكساً بصورة كاملة شخصية وحياة الآب. ومن ثم لاق له أن يكون هو «صورة الله فى طبيعته البشرية» فمنذ الأزل


(١) جاءت الآية فى الترجمة العربية: «الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبّر».