رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
إلا أنه ما يزال يخص الله، وما يزال لله خططه من أجله. إن الفداء ليس عملية غزو من مملكة مختلفة أو معادية بل إن رب هذا العالم قد جاء ليطلب حقه الكامل في ملكيته له.
فلو استطاعوا أن يلتقطوا حتى مجرد الخطوط التمهيدية لهذه الصورة أو موجزها (ذلك أن تفصيلاتها وإن كانت مركبة، إلا أنها بسيطة في شكلها) فإن أهل كولوسى الذين ارتدوا شاكرين عن آلهتهم الوثنية، وأصبحوا مسيحيين، لن يكون لديهم الميل في ما بعد إلى الارتداد إلى الوراء والعودة إلى آلهتهم الوثنية التي تخلوا عنها، كما أنه لن يكون هناك ما يقويهم (وهذا ما سوف نراه، حيث إنه الموضوع الرئيسي للأصحاح الثاني)، لينتظروا من اليهودية الوقاية من «الرياسات والسلاطين»، الوثنية- إنهم وقد صار لهم المسيح، حكمة الله الحقيقية، ورب هذا العالم، فإنهم أصبحوا في الحقيقة يملكون كل ما هم في حاجة إليه (قارن كورنثوس الأولى ٣: ٢٢-٢٣). فإذا كان المسيح هو حكمة الله، وتوراته، حينئذ فإن كل ما كانت تؤمن اليهودية بأنه حق لها، ولتوراتها، وكل ما كانت ترجوه بسبب توحيدها واختيارها، قد أُنجز في يسوع المسيح وتحقق بالتمام. إنه هو (وليس الناموس) نائب عن الآب في العالم. إنه هو (وليس «حكمة» إلهية مجردة) المتسلط الأعلى فوق كل الأمم وآلهتها. وإنه له، وليس لإسرائيل، كل الأشياء، قد خُلقت. إن هذا هو التأكيد الأساسي لهذه القصيدة في ثنايا الرسالة ككل.
٤- يسوع والله
ومن هنا فإن بولس لم يتخلَّ في هذه القصيدة الشعرية عن التعاليم اليهودية عن التوحيد والاختيار. لكنه يُعيد تحديدها. ترى ما الذي يؤكده في هذه الحالة عن يسوع، وبصفة خاصة عندما يدعوه صورة الله (الآية ١٥)؟ ولقد حدث جدل كثير حول هذه النقطة منذ القرون المسيحية الأولى وإلى الوقت الحاضر، وإن الإجابة التي نقدمها أدناه هي مجرد محاولة للربط بين النقاط القوية للأطراف المختلفة في هذه المجادلة.
(أ) إن الإشارة الفعلية في الآية (١٥) هي بوضوح عن الإنسان يسوع الممجَّد الآن. ويستخدم بولس في هذا الشاهد صيغة المضارع للإشارة إلى المكانة التي صارت له لكونه رأساً وسيداً للعالم حالة كونه في ناسوته «صورة الله» منذ البدء (قارن أفسس ١: ٢٠-٢٣).
(ب) ويبين منطق الترتيلة (الخليقة- الخليقة الجديدة) أنها أيضاً إشارة إلى يسوع الممجَّد كوكيل عن الآب عامل في الخليقة. وأنه الذي به قد خُلق العالم، وأنه الآن في ناسوته هو الذي به يُحكم العالم من خلال محبة الله المخلِّصة. إن القصيدة الشعرية تشير إلى الإنسان الممجَّد، ولكنها تحدد شخصيته على أنه الرب الموجود منذ الأزل.
(ج) ليس في هذه القصيدة ما يشير إلى أن يسوع قد وجد في الهيئة البشرية (في الناسوت) منذ الأزل، وإنما قد كان مناسباً جداً له وهو الموجود أزلاً أن يصبح بشراً. إن اللغة التي يستعملها بولس للإشارة إليه قبل الحبل به بشرياً وولادته، قد استعارها في الغالب من حياته اللاحقة في الناسوت، وبنفس الأسلوب الذي نتحدث به عن الملكة نقول: ولدت الملكة في سنة ١٩٢٦؛ فهذا القول لا يعنى أنها كانت حينئذ ملكة، ولكن يعنى أن الشخص