رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
(عدد ١٣): وهو يلمح مرة أخرى إلى «الخروج»، وهو في هذه المرة يُشير بصفة خاصة إلى عملية الإنقاذ المثيرة والمفعمة بالحركة والتي خلّص بها الله شعبه من ظلمة قوة مصر (انظر خروج ٦:٦ ، ١٢: ٢٧ ، ١٤: ٣٠). ونقله لهم إلى أرض جديدة: «الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت الابن الذي يحبه.» لقد استبدل سلطان رئيس الظلمة القاسي بالسيادة العليا الحكيمة لابن الله (قارن رومية ٢١:٥ ، ١٦:٦-١٨). ويتشارك بولس هنا مع كتبة آخرين للعهد الجديد بل ومع المسيح نفسه، في الإيمان بوجود قوة الظلمة التي يخضع لها الجنس البشرى بل والعالم أجمع، بسبب الخطية، والإيمان أيضاً بأنه في يسوع المسيح قد قهر الله هذه القوة، وأنه الآن يؤسس ملكوته في موضعها.
ونستطيع على أساس ما جاء في (١كورنثوس ١٥: ٢٣-٢٨) أن نشير- ولو أن النقطة موضع خلاف- إلى أن بولس يتصوّر أن تأسيس الملكوت هو عملية ذات مرحلتين. فهناك أولاً «ملكوت المسيح» والذى يبدأ بقيامة المسيح وتمجيده والذى سيستمر حتى يتم إخضاع جميع أعدائه تحت موطئ قدميه. وبعد ذلك يأتى ملكوت الله النهائى وزمن رد كل شئ. إن هذا التمييز لا يتوافق بالطبع وبصورة مباشرة مع اللغة التي تحدث بها يسوع عن ملكوت الله، وإنما تنتمى إلى وجهة نظر أخرى متأخرة. إن فكرة «الملكوت» لم ترد بكثرة على لسان بولس (انظر رومية ١٤: ١٧ ، ١كورنثوس ٦: ٩)، ولكنها فكرة يفترض مقدماً وجودها وبوضوح في كل مكان من أقواله. إن اللغة التي جاءت بها الآية (١: ١٣) هي بالفعل ذات أساس راسخ في انتظار العالم اليهودى، وتتحقق هذه الآمال في المسيا، يسوع.
وهناك أيضاً سببان وثيقا الصلة بالأسلوب الذي يصف به بولس يسوع بأنه «الابن الذي يحبه» وحرفيا ابن «محبته» قارن RSV «ابنه الحبيب». هناك أولاً إشارة إلى معمودية يسوع (١) حين مسحه الله بروحه وقال «أنت ابنى الحبيب الذي به سررت» (مرقس ١: ١١)، معلناً بذلك أن يسوع ملك إسرائيل الممسوح وأنه هو الشخص الذي تجمّع فيه وتحقق قدر إسرائيل.
وثانيا، فإن الله قد أكمل «فيه» كل مقاصده القديمة. فإن يسوع كالابن الحبيب هو يسوع باعتباره إسرائيل الحقيقى. لقد قدم لله الطاعة البنوية التي لم تقدمها إسرائيل «لما كان إسرائيل» غلاماً، أحببته، ومن مصر دعوت ابنى (هوشع ١١: ١، واقتبست عن يسوع في متى ٢: ١٥). إن إشارة الخروج هنا تتلاءم تماماً مع بقية فقرتنا الحالية. ففى المسيح عبّر الله عن محبته، وتحدّدت جيداً في الحياة التي عاشها المسيح طائعاً حتى الموت الذى ماته لكى يفدى الخطاة.
(عدد ١٤): وعلى هذا فإن لنا فيه «الفداء، وغفران الخطايا.»
(١) ربما تكون معمودية يسوع قد تركت آثاراً أخرى في كتابات بولس (مثلاً رو ١: ٣-٤) وليس من السهل القول أو التأكيد ما إذا كان ما جاء في (كو ١: ١٣-١٤) في ذاته إشارات إلى المعمودية المسيحية، لكن اللغة يمكن أن تناسب مثل هذه القرينة (قارن ١كو ١٠: ١-٢)، وبولس وهو يبنى على هذا الأساس يتوسع في الأفكار الخاصة بالمعمودية في (٢: ١١-١٣).
(٢) تضيف بعض المخطوطات (بدمه) بافتراض مماثلتها مع أفسس (١: ٧) (كما في الترجمة العربية).