رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
الشاكرة لله، ذلك الإله الذى ليس بعيداً عنهم أو غير مبال بهم، ولكن هو الآب الحكيم المحب لشعبه.
٢- أسباب تقديم الشكر (١: ١٢ب - ٢٣)
أ- الخروج الجديد (١: ١٤-١٢ب) لا يقنع بولس بأن يقول لقرائه بأن يشكروا فقط، بل إنه يقدم لهم ثلاثة أسباب وجيهة تحتم عليهم الشكر. (وهذه الآيات ١٤-١٢، ١٥-٢٠، ٢١-٢٣)، ليست مذكورة فقط جنباً إلى جنب، ولكنها تعتمد على بعضها اعتماداً وثيقاً. إن اللاهوت المسيحى الأصيل هو استكشاف شخصية الله وأعماله، ليس بروح التأمل المجرد وحب الاستطلاع، ولكن عن روح الامتنان والمحبة، مصحوبة بالنية والرغبة في الطاعة. إن صلاة بولس لأجل الكنيسة تصل إلى أوجها في الشكر، وهذا الشكر يجب أن يكون مؤسساً على المعرفة.
(عدد ١٢ ب): السبب الأول للشكر هو أن أهل كولوسى قد أعطى لهم نصيب في الخروج الجديد، وهو تحرير شعب الله الحقيقى. الآب الذى أهلنا(١) «لشركة ميراث القديسين في النور» وهذه كما تبدو للوهلة الأولى طريقة مركبة للقول بأن الله كان هو السبب في أن يسمع أهل كولوسى الإنجيل ويتلقونه بالقبول. وهذا هو فعلاً المعنى الحقيقى المتضمن في مقولة بولس. ولكن تعبيره على هذا النحو يجعل في مقدور بولس أن يصوّر عالماً نابضاً بالحياة فيما يتعلق بقصة خروج إسرائيل من مصر ودخولهم إلى أرض الموعد. إن «الميراث» «إشارة» إلى أرض كنعان الموعودة، و«القديسين» تعبير لغوى مألوف عن شعب الله، يبين أنهم قد عزلوا عن العالم وخصصوا لخدمة الله(٢). وتوحى العبارة المماثلة في (أفسس ٢: ١١-١٣) بفكرة أن ميراث شعب الله لم يعد بعد امتيازاً لجنس واحد، ولكنه قد انفتح على مصراعيه بحيث أصبح لكل شعب يعتقد بمثل هذه الخلفية نصيبه في هذا الميراث. لقد اتسع مفهوم الأرض الموعودة ليصبح وعداً لكل الخليقة الجديدة (رومية ٤: ١٣، ٨: ١٧-٢٥). أما التعبير الإضافى «في النور» فهو يميز ما بين الميراث الجديد والميراث القديم (مجد السماء، وليس أرض كنعان)، كما يزيد في حدة المقابلة الأخلاقية مع سلطان الظلمة (الآية ١٣) والذى كان المسيحيون حديثو الإيمان مقيمين فيه سابقاً. إن أهل كولوسى لم يأتوا إلى هذا الميراث آلياً. إن الله هو الذى أهلهم له. ويستخدم بولس في موضع آخر الكلمة اليونانية (hikanosanti) وشقيقاتها التى من أصل لغوى واحد ليصف المركز أو الوظيفة التى لم يكن هو نفسه «أهلاً لها»، ولكن الله هو الذى أهله لها (انظر مثلاً ١كورنثوس ١٥: ٩، ٢كورنثوس ٢: ١٦، ٣: ٥-٦). وهو الآن يشرح العمل الإلهى شرحاً أوفى، لكى يؤمّنه بالأكثر لترسيخ الأساس لشكر أهل كولوسى لله.
(١) جاءت الآية في مخطوطتين معتمدتين: «الذين أهلكم»، لكن معظم المخطوطات تقول: (الذى أهلنا) وربما كان ذلك لتشابه الضمير على ما جاء في الآية التالية (أنقذنا- نقلنا).
(٢) عارض بعض الكتاب المحدثين هذا المفهوم الطبيعى لكلمة (قديسين) إذ أنهم يفهمونها على أنها تشير إلى الملائكة على أساس المشابهات القوية الواردة في كتابات قمران، لكن هذا- من وجهة نظرى- يبدو متضارباً مع فكر بولس اللاهوتى، ويرى الكثيرون أن هذه هى إحدى الأفكار التى كتبت الرسالة من أجل مقاومتها ذلك أن شعب الله لا يرث امتيازات ملائكية بل إنسانية بكل تأكيد، وفي ضوء جسد المسيح صارت امتيازات الإنسانية أكبر من امتيازات الملائكة وليست أقل منها.