رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
يعملون بدورهم (انظر الشرح التالي عن الآية ١: ٢٩). وهذه الإشارة (وإن تكن غير مباشرة) تشير إلى سفر التكوين وهي تزيد من وعينا بأن ما يتحدث عنه بولس هي خليقة الله الجديدة،. إن بولس يطلب أن يفهم أهل كولوسي أنفسهم أكثر فأكثر بأنهم هم خليقة الله الجديدة والإنسانية الحقة، وأن يزدادوا تمسكاً بسلوكهم كما يحق لدعوة الله لهم. وفكرة «الأعمال الصالحة» هي طبعاً فكرة بولسية بالكامل (انظر رومية ٣:١٣، ٢كورنثوس ٩: ٨، غلاطية ٦: ١٠، تيطس ١: ١٦، وما يتشابه مع الفقرة الحالية جاء في أفسس ٢: ١٠). وبإضافة «في كل عمل صالح»، إلى «مثمرين»، و«في معرفة الله»، إلى «نامين»، فإنه يكون بذلك قد توسع في صيغة الآية ٦، وبذلك يكمل ببراعة ما نراه يعتبر كثيراً أنه تأثير نشط وفعال لمظاهر الحياة المسيحية. إن معرفة الله هي في ذاتها نشاط، كما أن طاعته تشكل مظهراً تكريسياً.
(عددا ١١-١٢أ): إن بقية الصلاة تبيّن القوة التي تمكّن الكنيسة الناشئة على النمو في هذا السبيل، كما أن موقف الشكر الذي سوف يتميزون به حين يفعلون ذلك (أما ترجمة RSV فإنها تضعف من هذه الصلة الوثيقة مع الآيات ٩-١٠ حين تبدأ بجملة جديدة هنا). إن الله يكمّل تلك الشخصية المسيحية المثمرة النامية في شعبه، بحيث يصبحون «متقوّين بكل قوة بحسب قدرة مجده». إننا نرى الله دائماً في العهد القديم باعتباره الله القوى الخالق المسيطر الذي أنقذ إسرائيل من مصر. وقد أطلق العنان لتلك القوة من خلال الإنجيل (انظر رومية ١: ١٦-١٧، ١كورنثوس ١: ٢٤ إلخ). نراها الآن تعمل بصفة مستمرة في شعب الله لكي تعطيهم «كل صبر وطول أناة»(١). إن بولس يُفرد هذه الصفات كأسلحة يحتاج إليها المرء لكي يحيا في عالم لا تروعه فيه الأزمات. والروح الصابرة الطويلة الأناة الناجحة من الإيمان والرجاء والمحبة، هي ثمر الثقة الراسخة الوطيدة في أن ربنا يسوع المسيح هو الرب المطلق والسيد على العالم، وأن في مقدوره أن يحقق مقاصده في الوقت وبالأسلوب الذي يعينه ويختاره. وهناك تمييز بسيط يجب أن ننتبه إليه بين «الصبر وطول الأناة». إن «طول الأناة» هو ما يحققه الإيمان والرجاء والمحبة في موقف قد يبدو ظاهرياً كأنه مستحيل حدوثه. أما الصبر، فهو ما يظهره الإيمان والرجاء والمحبة للشخص الذي يقف في الموقف الصعب الشائك.
أما الآية (١١) فهي تزودنا ببصيرة عما تحمله الصلاة كلها، وذلك على النحو التالي: (١) إن النمو في معرفة الله، والقداسة هي معركة شاقة وعسيرة، (ب) إن القوة لخوض هذه المعركة يمكن أن تأتي فقط من قوة واقتدار الله نفسه، ولكنها حتماً ستأتي.
وحيث أن المخطوطات الأولى للعهد الجديد لم تتضمن تقريباً علامات الترقيم، فمن المستحيل علينا أن نقول عما إذا كانت «بفرح» ترتبط بكلمة «شاكرين»، في الآية ١٢ (كما في NIV) أو بتعبير «لكل صبر وطول أناة» في الآية ١١(كما في الترجمة العربية). ولكن حيث أن الآية ١٢ هي استكمال لنفس الجملة، فمن ثم فليس هناك فرق يذكر في هذا المجال. إن قوة الله تعد شعبه وتهيئهم ليسلكوا في العالم بكل صبر وطول أناة وأن يشكروا الله على نعمته. إن هذا الشكر يجب أن يقدم إلى الله الآب. إن النضج المسيحي يستمد جذوره من العلاقة الحقة
(١) قارن إشعياء (٤٠: ٢٨-٣١).