سراج الكلمة
‹صفحة ٤٧ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٤٧

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


مشيئة الله «تُظهر نفسها فى»، هذه الخصائص. إن الصفتين «كل» و «روحى»، تحكم الاسمين «حكمة» والتى هى التفوق والامتياز العقلى عامة، و«الفهم» والذى هو القدرة على التفكير من خلال موضوع مترابط منطقياً وبطريقة واضحة، وهما على هذا النحو تحوّلا إلى مستوى أكثر من أن يكون مجرد مهارة عقلية بشرية أو واقع الخبرة بالحياة والناس.

إن المصطلحات الثلاثة «معرفة، وحكمة، وفهم»، لها أهميتها فى مكان آخر من كتابات بولس، وعلى هذا تفهم بصورة أفضل بالمقابلة مع خلفيتها من العهد القديم والخلفية الاجتماعية والثقافية اليهودية، والتى فيها تعنى بانتظام مظاهر تلك الشخصية التى يسعى الله بطبعها وغرسها فى أذهان شعبه(١). إن الحكمة هى الصفة المتميزة للشخص الإنسان حقاً، الذى يأخذ الموضع المتواضع، ولكن الواثق والذى كان معداً لآدم فى نظام الخليقة، فى خضوعه لله وفى تسلطه على العالم. وبالنسبة للمسيحيين عملية النمو فى كل اتجاه تتضمن أيضاً إيقاظ القوى العقلية، والقدرة على التفكير المتزن المبنى على المنطق وبصفة عملية عن الله ومقاصده لشعبه. لم يحاول بولس على الإطلاق أن يفصل ما بين الحياة الروحية والفهم العقلى. إن الحكمة والفهم الموضحان هنا قد أعطيتا صفة «الروحية» وفى الحال تم شرحها وتوضيحها فى مصطلحات عملية وأخلاقية فى الآية (١٠).

(عدد ١٠): إذا أخذنا الآيتين (٩ و ١٠) معاً فإنهما تشكلان صورة مصغرة للحياة المسيحية ونموها. والمناقشة ليست حلقة مفرغة (كما قد يبدو للوهلة الأولى) ولكن على شكل حركة لولبية. إن بولس يصلى لكى يزدادوا فى معرفة مشيئة الله، مما يترتب عليه أن يعيش أهل كولوسى على النحو الذى يريده الله لهم وهكذا يزدادون فى معرفة الله. إن الفهم سوف يدعم القداسة، والقداسة تعمق الفهم. (والبديل الذى أعتبره أقل احتمالاً أن تكون الجملة التى فى نهاية الآية (١٠) تعنى «بواسطة معرفة الله») «فعندما يقول بولس: لتسلكوا (وتضيف NIV فى صدر هذه الكلمات: (ونحن نصلى هكذا بقصد توضيح المعنى)، فإنه يستخدم الفعل «تسلكوا» بما يتمشى مع خلفيته اليهودية (قارن فى العهد القديم، أمثال ٢:٢٠، ٤:٢٥-٢٧ إلخ). هذا السلوك «يجب» أن يكون «كما يحق للرب». إن الرب يسوع المسيح يزودنا فى موته وقيامته بنموذج للحياة يكون معياراً لشعبه ومثالاً يسلكون بمقتضاه فى حياتهم. فأولئك الذين «فى الرب»، يجب أن يحيوا الحياة اللائقة. إن الجملة التابعة فى «كل رضى» لا تعبر عن مثالية يستحيل تحقيقها. إن بولس يعرف أن الكمال التام يمكن الحصول عليه فحسب بالهبة النهائية للجسد المقام (فيلبى ٣:١٢). ومع ذلك فإن خاصته للمسيح فى إمكانهم أن يعملوا من أجل مرضاة الله (قارن رومية ١٢:١-٢، ٢ كورنثوس ٥:٨، ١ تسالونيكى ٤:١). إن الله ينظر إلى خليقته الجديدة (وإن تكن ولم تزل بعد غير كاملة)، ويعلن أنها حسنة جداً، هذا الشرح تؤيده إيماءة أخرى غير مباشرة إلى التكوين الأول، فإنه كما أن الإنجيل يحمل ثمراً ويتنامى، كذلك فإن شعب الله أيضاً «مثمرين فى كل عمل صالح»، و«نامين فى معرفة الله»، (والأفعال اليونانية هنا هى ذاتها الموجودة فى الآية ٦). وهنا نجد عبارة بولس النموذجية الظاهرة التناقض عن النعمة الإلهية. إن الله يعمل، وعلى هذا فإن شعبه


(١) انظر مثلاً (خروج ٣١:٣، و٣٥)، (تث٣٤:٩)، (إش ٢٩:١٤) إلخ... وانظر أيضاً (رومية ٢:١٨)