رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
عليهم أن يشكروا الله الذى... معرفتهم لله وشكرهم له، مجسدة المسيح.
١- صلاة بولس من أجل معرفة الله (١: ٩-١٢)
إن حلقة الاتصال بين الشكر الاستهلالى (لهذا السبب) لا يجب إغفالها. إنه بسبب ما قد سبق أن عمله الله أصبح فى مقدور بولس أن يصلى بملء الثقة لأجل ما سوف يعمله الله. فالله، وقد بدأ عمل النعمة، سوف يستمر حتى يكمله (انظر فيلبى ١: ٦). يرفع بولس صلاته هذه بلا كلل، لم نزل مصلين وطالبين لأجلكم (انظر شرح الآية ١: ٣) «منذ يوم سمعنا». وفى صدى للآية ٦ يؤكد بولس أن تجاوبه مع أخبار أَبفراس كانت مباشرة تماماً كما كان تجاوبهم مع كرازته. إن ضمير المتكلم الجمع «نحن» ربما يتضمن تيموثاوس، ولكنها يمكن أن تكون مجرد صياغة بلاغية.
ومن الأمور الجديرة بالالتفات إليها وعدم إغفالها عادة بولس فى الإخبار عن صلاته المنتظمة لأجل الذين يخاطبهم برسائله (انظر مثلاً رومية ١: ٩-١١، فيلبى ١: ٩ إلخ). فهو لن يقدّم تعليمه، ونصيحته، وتشجيعه ما لم تكن فى سياق صلواته. إن عمله الرسولى ليس فكره الشخصى بل هو جزء من خطة الله، وعلى العكس، فإن الصلاة ينتج عنها التأكيد أن خدمته يقوم بها فى نطاق خطة الله الإجمالية (١: ٢٤-٢٩)، وبناء عليها تأتى تلك الثقة المتميزة والتى قد تبدو خارج نطاق هذه القرينة نوعاً من التكبر والغطرسة.
(عدد ٩): إن العبارة الاستهلالية «طالبين لأجلكم أن تمتلئوا من معرفة مشيئته»، تعدّ الأساس في هذه الصلاة بأكملها. (إن الفعل «يملأ» هو فى اليونانية فى صيغة المبنى للمجهول «أن تمتلئوا»، ولقد جعلت ترجمة (NIV) الاستعمال العادى لصيغة المبنى للمجهول واضحاً ليشير بطريقة غير مباشرة إلى العمل الإلهى. إنها هذه «المعرفة» التي تكوّن الأساس لكل من القداسة (الآية ١٠) والشكر (الآيات ١٢-١٤ فى ضوء الآية ٢: ٢)، والتى هى السمة الرئيسية المتميزة للبشرية التى تجدّدت فى المسيح (٣: ١٠). «إن معرفة مشيئة الله»، هى أكثر من كونها مجرد استبصار للسلوك الذى يريد الله لشعبه أن يسلكه: إنها فهم قصد الله الخلاصى الشامل فى المسيح، ومن ثم (كما فى الآية ١٠ب) معرفة الله ذاته. ولقد رأى البعض فى كلمة (معرفة باليونانية) (epignosis) إشارة خفية إلى أن بولس قد التقط لغة خصومه الغنوسية (Gnostic)، وبهذا يدحض تعليم تلك الجماعات الدينية التى تستمد دعواها من كثير من التقاليد، والتى تقدم تعليماً أنه يمكن الحصول على الخلاص عن طريق المعرفة (Gnosis)، الروحية، والتى تمكّن الفرد من الهروب من العالم المادى وتحقيق قدر المرء (الروحى) الحقيقى. ومع ذلك، فليس هناك أى دليل على مثل هذا التعليم فى أى شكل محدد واضح فى تلك الفترة، وحينما تظهر فمن المحتمل أن تكون فى ذاتها معتمدة على المسيحية.
إن ما يتحدث عنه بولس هنا ليس معرفة سرية خفية مقصورة على خبرات دينية أو فئات أو طوائف خاصة. بل إنها «معرفة مشيئته»، (أى مشيئة الله)، المتاحة لكل شعب الله. إن هذه المعرفة «فى كل حكمة وفهم روحى». وتستخدم ترجمة (RSV) حرف الجر «فى»، وهى ترجمة أكثر حرفية من ترجمة (NIV) من خلال معرفة روحى.