سراج الكلمة
‹صفحة ٤٥ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٤٥

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


لا يتجاهل البشرية أو يلغيها من حسابه، ولكنها من خلال خضوعها وطاعتها للصليب، وكل ما يعنيه بالنسبة للمبشر والسامع ويدل ضمناً عليه، تزداد قيمة البشرية وتتعظم ويتحقق لها الفداء. يقوم أبفراس بعمله الذي دُعي إليه من كل القلب «كالعبد الحبيب» شريك بولس، عاملاً لأجل المسيح، جنباً إلى جنب معه، ليس منافسة له، وإنما بالمحبة، وبذلك يكون «خادماً أميناً للمسيح لأجلكم»، عاملاً في كولوسى ما كان بولس سيقوم بعمله هناك، «وبالفعل»، فإنه يكون بمعنى ما قائماً بنفس عمل بولس، بالمساهمة في إرساليته الفريدة إلى الأمم. والعبارة تحمل في نفس الوقت بياناً رقيقاً عن حقه (أي حق بولس) نفسه في أن يخاطبهم بأنهم: عمل أبفراس، ولكن أبفراس نفسه كان عاملاً باسم بولس ونيابة عنه. وهذه العبارة تقرأ في بعض المخطوطات لأجلكم- كما في الترجمة العربية- وحتى لو كانت هذه العبارة صحيحة، فإن بولس يكون في هذه الحالة رابطاً عمل أبفراس بعمله هو ذاته، بواسطة الصفة «أميناً»، أى جديراً بالثقة. وأثناء عمل أبفراس، يعمل الله، وإذ يقوم أبفراس بالكرازة أو التبشير، فإن الله يفتح عقول السامعين للفهم، وكما يضع أبفراس أمامهم الحقائق عن يسوع، فإنهم يتعرّفون على هذه الوقائع كحقيقة. ومثل الرجل الذى يعلم فجأة أنه ورث ثروة، هكذا كان الحال بالنسبة لأهل كولوسى الذين حصلوا على معرفة جديدة صارت ملكاً لهم، والتي ليس لها سوى أن تحدث ثورة في حياتهم.

ونظراً لحدوث هذه المعجزة في كولوسى، ولكونها فعلاً ليست شيئاً آخر سوى عمل الله، فإن هذا هو الذي علمه بولس حين عودة أبفراس إليه: «الذى أخبرنا بمحبتكم في الروح». وليست هذه مجرد عاطفة بشرية، بل هذه محبة خلقها الروح (الذى ذكر هنا بصراحة للمرة الأولى على الرغم من كون الفقرة بأكملها لا يمكن فهمها بدونها)، وهى بذاتها محبة الله، والتي أصبحت لهم من خلال معجزة النعمة، وهى التى مكنتهم من أن يقدموا محبتهم الواحد للآخر، تلك المحبة التى يمكن التعرف عليها وإدراكها من مشابهتها لعمل محبة الله على الجلجثة(انظر رومية ٥: ٥-١٠ إلخ..). وحينما ننظر من بعيد إلى هذه الفقرة الاستهلالية، فلسوف نرى، على الرغم من أنها من أحد المعانى قد يكون المقصود منها كنيسة كولوسى، إنها في معنى آخر المقصود بها محبة الله. ولقد سبق أن رأينا في استهلال بولس لصلاة شكره، أنه قد بدأ يكشف اللثام عن الحقيقة التى طالما أراد لأهل كولوسى أن يدركوها: إن الله كان في المسيح خالقاً للعالم ومعيداً لخلق هذا العالم وللبشرية، وأنه على هذا، أنه علينا أن نفهم كاملاً معنى الصليب، حتى يتأكد العالم والبشرية بكل سرور، أنهم أصبحوا من خاصته. وفي المسيح بداية جديدة، وسفر التكوين الجديد.

ب- الصلاة والتأمل (١: ٩-٢٣)

هذه الآيات تكون وحدة مفردة مستقلة، والتي هى جوهرياً صلاة تقريرية. ويرجع السبب في إغفالنا لها إلى أن معظم مادتها- ونعنى بها الآيات (١٣-٢٣)- مبنية على العنصر النهائى الرئيسى في الصلاة، أى الشكر. إن بولس يصلى أن يتاح للكنيسة الناشئة أن تنمو في المعرفة (الآية ٩)، وفي القداسة (الآية ١٠). وفي القوة الروحية(الآية١١)، مضيفاً بعض التعبيرات القليلة لكى يؤكد التماسه، ثم بعد ذلك، وأخيراً، يصلى لكى يقدموا على الدوام الشكر لله(الآية١٢)، وهنا نراه يؤكد المعنى ليس بعبارات قليلة ولكن بجمل متنوعة. إن