سراج الكلمة
‹صفحة ٤٤ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٤٤

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


والقصد الإلهى بإعادة خلق العالم. إن بولس يعطينا هنا فكرة مسبقة عن الوضع اللاهوتى الذى سوف يعبّر عنه سريعاً بصورة كاملة (فى ١: ١٥-٢٠). إن الله يعمل من خلال الإنجيل ذلك الذى قصد أن يعمله على الدوام. إنه يزرع بذاراً جيدةً فى العالم، مستعداً لجنى حصاد من البشر الذين أُعيد خلقهم لكى يعكسوا مجده. إن هذا الذى يؤكده بولس الآن ليس نظرية مجردة، فقد كان الإنجيل عاملاً فى العالم أجمع على اتساعه «كما قد عَمِل بينكم أنتم» فى كولوسى. وبدون الرغبة فى تأكيد صيغة الجمع لضمير المخاطب «فيكم» (باليونانية en hymin) إلى مدى أبعد، فإنه يبدو واضحاً من الآية ٤ وفى أماكن أخرى أن بولس لا يعنى مجرد القول إن «بينهم» يوجد برهان على التغيير الذى حدث فى حياة الأفراد، إنه يرى أن فيهم كجماعة قد كان الإنجيل عاملاً لكى يخلق تلك الحياة التى طابعها الاتحاد والمحبة التى هى إرادة الله لرعيته وأهل بيته. وإننا لنفعل حسناً فى هذا العالم الذى يتميز بالفردية أن نذكّر أنفسنا كيف أن بولس يكثر من استخدام ضمير المخاطب فى صيغة الجمع- وأنه لا يشير فحسب إلى مجموعة من الأفراد، ولكنه يتكلم عن وحدة جماعة مشتركة فى المصالح والأهداف هى جسد المسيح.

وقد كان الإنجيل عاملاً فى كولوسى «مُنذ يوم سمعتم وعرفتم نعمة الله بالحقيقة»(١). إن الله لا يضع قوته المخلّصة فى العمل بعملية آلية أو سحرية تتجاهل شعور أو وعى مستقبليها.

يصف بولس تأثير تبشير وكرازة أبفراس فى كولوسى فى تعبيرات لغوية ليست من قبيل رد الفعل الانفعالى، ولا هى أيضاً للتعبير عن قبول الشعب للمسيح فى قلوبهم، ولكن ما يقصده هو سماعهم للحقيقة وفهمهم لها. إن مهمة الناطق بلسان الرسول هى أن يعلن الحقيقة، إن الكلمة المترجمة هنا، «فهمتم»- وفى الترجمة العربية (عرفتم) تبين أن الاستجابة المطلوبة هى التفكير الواعى من خلال معرفة الحقيقة. إن بولس لم يكن لديه أى شك عن الحالة القلبية لأهل كولوسى، ولكنه كان يعرف أن العاطفة المسيحية يجب أن تتمنطق بالإدراك العقلى الواضح للحقيقة. ومن المهم أن نؤكد فى نفس الوقت أن الاستجابة للإنجيل لا تتضمن الإدراك العقلى فحسب وإنما المشاركة الوجدانية، أى العقل والقلب، واللذان ليسا ببساطة قسمان منفصلين عن بعضهما بدون وجود باب يربط ما بينهما. إن المعرفة الواضحة والفهم الواعى للإنجيل المسيحى الأصيل-إنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد ليموت من أجله - هى بمثابة دافع قوى جداً إلى المحبة المسيحية من كل القلب لله فى مقابل محبته لنا. إن مثل هذه الاستجابة الوجدانية يمكن أن تكون بدورها الوقود الذى يشعل الرغبة فى فهم أعمق وأكثر وعياً (انظر ١: ٩) لطبيعة الله ومقاصده.

(عددا ٧-٨): إن جزءاً من سر عمل النعمة ذاك هو أنها تتضمن ذات الإعلان «كما تعلّمتم أيضاً من أبفراس»، إن نعمة الله تعمل بصفة متميزة من خلال الوسائل الإلهية المعيّنة لها (انظر رومية ١٠: ١٤-١٥). وهذا بالتأكيد لا يضع حداً لسلطان نعمة الله. وعلينا أن نلاحظ أنه كقاعدة عادية فإن الله قد التزم بالعمل من خلال إعلان الإنجيل. والعمل الإلهى يتضمن فى ذاته كلاً من عمل البشر وفهم السامعين. وحين يعمل الله فإنه


(١) بالنسبة لاستعمال كلمة «النعمة» كخلاصة لأحداث الإنجيل، وما تعنيه قارن (٢كو ٨: ٩).