رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
وهنا نجده يقدم وصفاً أبعد مدى لكل خاصية من هذه الخاصيات الثلاث. فالإيمان ليس فحسب (كما هو الأمر الغالب اليوم، أى عقيدة دينية)، إنه يحدّده على أنه الإيمان بالمسيح يسوع. إن هذه الجملة (التى يمكن أن يكون فيه الإيمان، وليس بالأحرى كما يميل القارئ إلى افتراض أنه موضوع الإيمان) هى أحد طرق بولس القياسية المختزلة لوصف الإيمان المسيحى وعلى نحو مميّز. إن الإيمان في نظر بولس يتضمن ليس فقط الثقة الشخصية والتسليم، ولكن أيضاً اليقين بأن بعض الأشياء حقيقية (انظر مثلاً رومية ١٠: ٩). إن هذا المثال في رومية (٢٤:٤)، (الإيمان بالله الذى أقام يسوع). إن القرينة الحالية «تؤكد حقيقة الإنجيل» كشئ يجب أن يُسمع ويعترف به العقل (الآيات ٥-٦)، وهكذا يؤكد أنه إذا كان هناك أى شئ يؤيد اليقين، فإنه على الرغم من ذلك فلن يكون بأى وسيلة على حساب «التسليم». إن اليقين إذا كان أصيلاً، يكون أكثر من مجرد الموافقة العقلية على الحقائق والتسليم بها.
وبالنسبة لبولس، نجد أن العلامة الأكيدة لعمل النعمة تتمثل في حقيقة وجود الجماعة التى تحيا في ظل المحبة والتي خلقت من لا شئ : «تلك المحبة التى لا تتقيد بالأشخاص الذين تربطنا بهم صلات القربى، بل تلك التى تمتد إلى جميع القديسين»، وهى أيضاً ربما تكون على توافق مع ما جاء في كورنثوس الأولى ١٣، والتى ميّزها بولس في الآية ٨ على أنها العنصر الرئيسى في الأخبار التى أحضرها إليه أبفراس من كولوسي.
(عدد ٥) : الرجاء، ويظهر أنه يُشير هنا ليس بدرجة كبيرة إلى الحالة التى يكون عليها الفرد بالنسبة للشئ الذى يرجوه، بل هو «الرجاء الموضوع لكم في السماويات»، ( قارن ١بطرس ١: ٤ وبصفة خاصة ٢تيموثاوس ٨:٤). ولكن كيف يكون «الرجاء»، على اتصال بالآية السابقة ؟ إن ترجمة (RSV) «بسبب الرجاء» تحافظ على إبهام وغموض النص الأصلى، بينما تحاول ترجمة (NIV) توضيحها بصياغة جديدة للنص يقدّم فيها المعنى بألفاظ جديدة «الإيمان والمحبة النابعان من الرجاء»، فلو كان هذا صحيحاً- كما يمكن أن يكون عليه لغوياً- فإنها تكون بذلك فكرة هامة غير عادية. إن بولس يرى عادة أن الإيمان والرجاء والمحبة كلها معاً تنبع من الإنجيل، كحقائق عن يسوع المسيح. ولكن الإشارات الأخرى في (٢٣:١ و ٢٧) يمكن حقاً أن توحى بأن الرجاء المسيحى قد كوّن الجزء الرئيسى من تبشير أبفراس المبدئى في كولوسى. إن هذا العنصر في المسيحية يمكن أن يكون جديداً بالكلية، وشديد الجاذبية للوثنى في القرن الأول الميلادى. وعلى هذا فإن ترجمة (NIV) يمكن أن تكون قد توصلت إلى المعنى الخفى والكامن في تعبيرات بولس. فإن الحقائق الوطيدة عن الرجاء المستقبلى للمسيحيين هى دافع دائم للإيمان والمحبة الغالية الكثيرة الثمن في الحاضر. وبولس لا يقول هنا بالتحديد هدف أو «سبب» الرجاء المسيحى. وليس واضحاً تماماً ما إذا كان يتصور وجود عالم سماوى منتظر ينعم فيه المؤمنون، أو عما إذا كان يُشير ببساطة إلى عزم الله ووعده، فيما يتصل بالنعيم الذى سيهبه لشعبه. ومهما يكن الأمر فإن (غلاطية ٢٦:٤) تُشدد من عزمنا وتشجعنا على الأخذ بوجهة النظر الأولى.
ويستخدم بولس ذكره للرجاء كمعبر من وصف أسلوب حياة المسيحيين في الآيات (٤ و ٥/أ) إلى وصف كيف جاءت هذه الحياة الجديدة وهو ما يزال في نطاق تشكراته.