رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
في فرضية إعادة ترتيب الأحداث. وبحسب هذه الإمكانية، يمكن القول بأن بولس قد كتب هذه الرسالة من سجنه في أفسس كرسالة عامة إلى الكنائس الناشئة في المنطقة المحيطة، ومن بينها بلا شك كنيسة أفسس نفسها. وأن تيخيكس (أفسس ٦: ٢١) قد بُعث حاملاً نسخة من الرسالة إلى الكنائس التي في منطقة وادى ليكوس، بقصد أن يقوم بزيارة كولوسى بعد زيارته للاودكية، وهو بلا شك أمر طبيعى على هذا النحو (انظر الخريطة ص ١٤). ولكن بولس لم يكن يريد أن تكون كنيسة كولوسى مجرد مستقبل لرسالة دورية أخرى، أكثر مما كان يريد أن يتضمن في رسالته الدورية الشاعرية الفخمة والمشتملة على تحذيراته الأكثر دقة وتحديداً في الأصحاح الثانى من رسالته إلى أهل كولوسى، والتى تعد ملائمة لهذه الكنيسة، وإن كانت أيضاً على هذا النحو بالنسبة لكنيسة لاودكية. وعلى هذا أخذ تيخيكس معه أيضاً الرسالة إلى أهل أفسس، والرسالة إلى أهل كولوسى، وكان برفقته أيضاً أنسيمس، والأخير كان يحمل الرسالة الموجزة والمقصود بها مولاه السابق فليمون.
ولكن هذه الفرضية لا يمكن بالطبع إثباتها. ولكن- في تقديرى على الأقل- أنها تعالج حقاً الأحداث، وبصفة خاصة العلاقة الوثيقة القائمة بين رسالتى أفسس وكولوسى. ويمكننا أن نقف على أن رسالة أفسس كانت نتيجة لرغبة المؤلف في إعادة النظر على نحو ما، من منظور الوضع القائم فى كولوسى، والتأمل في مدى سيادة الحقائق التى كان شديد الحرص على تأكيدها. (وعلى العكس من هذا الأمر يمكن أن نرى في رسالة كولوسى نسخة معدلة ركّز فيها بولس بدقة أكثر تحديداً على بعض الأفكار الرئيسية المتضمنة فى رسالة أفسس). ولكن حتى ولو لم يُقبل ذلك الترتيب الدقيق للأحداث وحتى إذا اعتبرنا (مع معظم العلماء) أن رسالة لاودكية قد فقدت منذ زمن طويل، فإن الموضوع الأساسى للآية يبقى مع ذلك واضحاً.
إن السلطان الذى مُنح لبولس لتثبيت الكنائس فى الإيمان يمكن ممارسته من خلال قراءة رسالتيه التي بعث بهما إلى وادى ليكوس لتقرآ فى كل من لاودكية وكولوسى.
(عدد ۱۷): وأخيراً نصل إلى تعليقه الشديد الإيجاز: «قولوا لأرخبس» والذى وصف في رسالة فليمون في الآية الثانية على أنه «المتجند مع بولس»، والذى يبدو كأحد أفراد بيت فليمون، أو على الأقل كعضو في الكنيسة التي في بيت فليمون «انظر إلى العمل الذى قبلته في الرب لكى تتممه». ومن الممكن أن يكون المقصود من كلمة العمل (Work) (حرفياً «الخدمة» انظر ما سيجئ فى ما بعد)، هو المهمة المحددة في قبول التماس بولس المتعلق بأنسيمس. ولكن هناك مشاكل تعترض هذا الرأى، وهو ما سوف نناقشه في مقدمة الرسالة إلى فليمون. والأمر الأرجح هو الرأى القائل بأن أرخبس قد كان مكلفاً بخدمة خاصة في داخل الجماعة، وربما تكون هى تعليم شباب المؤمنين، وترسيخهم في الإيمان والمحبة، وإذا كان عليه (أن يستخدم لغة بولس المجازية) عليه أن يتحقق من وجود الخدمة الناشطة الحقيقية الماثلة بالفعل فى الرسول نفسه، فإنه ولا شك سيكون مؤهلاً تأهيلاً تاماً للقيام بهذا الواجب. إن مثل هذا القول يتوافق مع اللغة التى استخدمها بولس نفسه في ١: ٢٥. حيث نجد أن الفعل المستخدم مع (Present in fullness) هو نفسه المستخدم هنا مع (Complete).
إن غرض بولس الواضح على امتداد الرسالة يتلخص في أن يتحقق لكنيسة كولوسى النمو إلى الكمال