رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
كان بولس يعرف جيداً (١كورنثوس ١٠: ٣٢) أهمية أن لا نتيح للعالم أية فرصة للنقد أو الافتراء، على سلوك المسيحيين. إن الحياة التي بلا لوم وبلا عيب تضع الأساس للشهادة المتسمة بحسن الذوق والسماحة واللطف، والصادرة عنا كمسيحيين لأن تعمل عملها بحيث تستفيد إلى أقصى ما يمكن من كل فرصة تتاح لهم لأداء هذه الشهادة في حينها. إن الفعل «يقتدى الوقت»، يعنى حرفياً «يشترى الوقت كله» أو «يشترى الوقت بأكمله» وهو هنا لا يعنى بالضرورة ذلك المعنى (كما قد يعنيه ما جاء في أفسس ٥: ١٦) الذي يقصد به أن الوقت هو إلى حد ما شرير، ومن هنا يجب افتداؤه، ولكنه يعنى ببساطة أن كل فرصة يجب أن نمسك بها ولا ندعها تفلت من بين أيدينا بدون الاستفادة منها، وذلك باعتبارها صفقة. إن كلمة «فرصة» ربما تعنى ببساطة الوقت (time). إن الجملة يمكن أن تكون توجيهاً للاستفادة من الوقت على اعتباره فرصة سانحة للشهادة، والاستفادة منه إلى أقصى درجة على نحو ما أسلفنا.
(عدد ٦): إن التوق للشهادة لا يجب أن يكون عذراً للغطرسة، بل بالعكس يجب أن يكون «كلامكم كل حين مملوءاً بالنعمة» (إن كلمة «نعمة» في اليونانية كما في الإنجليزية من الممكن أن يكون لها المعنى المزدوج لنعمة الله، واللطف والسماحة ورقة الحاشية من جانب البشر، وأن يكون أيضاً «مملحاً بملح». إن المجاز اللغوي عن الكلام «المملح»، كان مجازاً لغوياً مألوفاً في العالم القديم. إن بولس يعرف أن الحوار المضجر والممل ضرره أكثر من نفعه في التبشير الإنجيلي. إن على المسيحيين أن يجتهدوا على أن تكون شهادتهم مثيرة، وحيوية، وجياشة بالمعاني، ومفعمة بالحركة مع ضرورة التأكد في نفس الوقت من إلمامهم الكامل ومعرفتهم التامة بأساليب إيمانهم «لتعلموا كيف يجب أن تجاوبوا كل واحد». إن كلمة «يجاوب» تتضمن أن الذين هم من خارج قد يسألون المسيحيين عن مضمون حياتهم الجديدة كما لابد سيحدث إذا ما أصاخوا السمع إلى ما تقوله الآية الخامسة وعملوا بمقتضياتها. إن الكثير من هذه الأسئلة ذات طابع يمكن التنبؤ به، ولكن يجب مراعاة أن كل سائل هو شخص فرد، ويتحتم احترامه ومحبته على هذا الأساس. فلو جاءت الإجابة التي يسمعها السائل أو يحس بها في ضميره كإعلان من وحي إلهي، أو كتوبيخ وانتهار للجهل، فإن المجيب قد يفوز بالجولة ولكنه في نفس الوقت يخسر الشخص السائل. الآن قد اكتملت حلقة التفكير التي عرض فيها بولس كل ما أراد أن يقوله لأهل كولوسي، والتي ابتدأها بتقريره عن صلاة الشكر التي قدمها لله من أجل أهل كولوسي (١: ٣-٥)، وعن عمله من أجل الكرازة بالإنجيل (١: ٢٤-٢: ٥)، فإنه ينهي هذه الحلقة بأن يطلب إليهم أن يصلوا كما يصلي هو نفسه، وأن يعملوا أيضاً على مثال ما يعمله هو نفسه. إن صلاتهم وحياتهم يجب أن يكون هدفها- كهدفه هو- التعبير عن حكمة الله المحبة، والتي ظهرت وتجلت في المسيح من أجل خلاص العالم.
(رابعاً: التحيات الختامية (٤: ٧-١٨))
يختتم بولس بالتحيات التي يوجهها ليس فحسب منه شخصياً وإلى الكنيسة عامة، بل أيضاً من رفاقه وإلى أناس من نوعيات مختلفة من الكنيسة التي يوجه رسالته إليها. إن مثل هذه التحيات غالباً ما تدفع الكثير من