رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
أن تشير إلى الوالدين من كلا الجنسين، على الرغم من أنها قد تولى الأهمية لدور الأب، من منظور نظام الخليقة، في تنشئة الصغار. إن كلمة «تغيظوا» هى حرفياً «تثيروا» بالمعنى السيئ للكلمة «يستفز». إن بولس يشير هنا إلى الإزعاج المتصل للأطفال أو التقليل من شأنهم (وهى علامة على انعدام الأمن والطمأنينة- انظر الآية ٨:٣، وهى فى هذا الوقت من جانب الوالدين). ورفض إتاحة الفرصة لأولادهم أن تكون لهم حياتهم الخاصة كأفراد لهم شخصياتهم المستقلة بدلاً من أن يكونوا صورة طبق الأصل من الوالدين، أو أن يشكلوا طبقاً لأهواء الوالدين وآمالهم. إن الأطفال الذين عوملوا طبقاً لهذا المنهاج فى التربية شبوا وقد انعدم لديهم الدافع الشخصى للإبداع وأصيبوا بالإحباط أو بخيبة الأمل إذ تطرق أسماعهم باستمرار سواء بالكلام أو بدون كلام أنهم كائنات قليلة الشأن، ومن ثم ينطبع تأثيرها فى أذهانهم ويصدقونها، وفى هذه الحالة إما أنهم ينحدرون إلى حالة الخضوع التام وكراهية النفس أو الاندفاع إلى نوع من الخيلاء والسلوك المتعجرف فى محاولة لتأكيد الذات. والواقع أن من ألزم واجبات الوالدين أن يعيشوا حياة الإنجيل أمام أولادهم. وهذا يعنى أن يؤكدوا لأطفالهم أنهم محل حبهم وتقديرهم وإعزازهم لكونهم أطفالهم، وليس من منظور ما سوف يكونون عليه عندما يشبون عن الطوق ويكبرون، أو ما كان يجب أن يصيروا إليه (لو أنهم حاولوا أن يبذلوا جهداً أكبر فى سبيل هذه الغاية). إن الطاعة لا يجب أن تكون هى الشرط الوحيد الذى نبنى عليه حبنا لأولادنا، إن مثل هذه المحبة المشروطة لا يمكن أن تستحق اسمها. فإن التزم الأب بما تمليه عليه المحبة الأصيلة، فإن طاعة الأطفال سوف تكون مماثلة لطاعة المسيحى لله استجابة فرحة محببة، إن مثل هذه الطاعة «مرضية للرب» (كما يعبر عنها فى النص اليونانى)، وليست فحسب بسبب أن الله يريد منا أن نسير على الصراط المستقيم، بل لأن الله يريد كل شعبه أن يسلكوا الطريق الذى يصبحون فيه على مثال المسيح، منكرين ذواتهم، وساعين للوصول إلى النضج الذاتى الحقيقى، حتى وإن كان هذا الطريق تبدو فيه بعض المتناقضات الظاهرية.
(عدد ٢٢): لقد أوضح بولس أن واجبات أعضاء الأسرة يجب أن تمارس جميعها «فى الرب» وفى الجزء الموسع الموجه فيه الخطاب إلى العبيد (الآيات ٢٢-٢٥، ولقد قيل أحياناً إن هذا القسم له صلة «بأنسيمس» والذى أرسلت معه هذه الرسالة، إلا أنه من الصعب أن نرى سبباً يبرر هذا القول). نرى بولس يوضح هذا الموضوع فى ما لا يقل عن خمس طرق مختلفة.
إنه يقول لهم فى أول الأمر «أطيعوا سادتكم الأرضيين فى كل شئ»، أى أنهم يجب أن تكون طاعتهم لسادتهم طاعة كاملة، واعملوا ذلك، ليس فقط عندما تكون أعينهم عليكم ولكسب رضاهم بل بإخلاص القلب ومخافة الرب، وقد وردت كلمة «الله» بديلاً لكلمة «الرب» فى كثير من المخطوطات، وربما كان ذلك خشية الخلط بين الرب (Lord) (يسوع) والسيد (Lord) والتى تعنى (master)، وهو مولى العبد. إن نفس الكلمة اليونانية (Kyrios) يمكن أن تدل على أيهما. إن الأمر هنا قابل للتطبيق تماماً وعلى جميع مستويات العمل الذى يمارسه بنو البشر، وهو أن المسيحى وهو يمارس أى عمل عليه أن يؤديه بكل ذات نفسه، وأن لا يتوانى فى بذل كل جهده فى العمل الموكول إليه، وألا يكتفى بالقيام بأقل قدر منه بحيث لا يتعرض للانتهار، بأن يستعرض