رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
البديل للخضوع للقواعد ليس هو الحرية بل الاستبدادية غير الدستورية (والتي غالباً ما تكون لاشعورية) للعضو الذي تتحكم فيه أنانيته التي لا ضابط لها. وكما نلاحظ في الموسيقى المرتجلة، فإن العفوية والحرية لا تعنى عدم التآلف في الموقف الموسيقى.
ولكن هل يجب أن تكون مواقف بولس أو مزاجه الذهنى، هو نفس الشئ بالنسبة لنا ؟ إننا نتقابل هنا، وليس هذا للمرة الأولى، بمسألة إمكانية التطبيق العملى لأقواله على الحياة في القرن العشرين. إن هذه المسألة قد طفت أحياناً إلى السطح في مظهر آخر، وأعنى به ما هو مدى مسيحية هذه التعاليم؟
لقد كانت بيوت الوثنيين واليهود في هذا العصر تزخر بالترتيبات المنزلية التى تتماثل في كثير من الاعتبارات مع هذه التعليمات التي نجدها هنا. ولكن هذا لا يعنى أن ما يطلبه بولس من المؤمنين الجدد هو مجرد أن يتوافقوا مع المعايير السائدة المعاصرة لهم. إن الأخلاق المسيحية والمعايير الدنيوية ليست بالطبع مختلفة تماماً عن بعضها البعض، حيث أن البشر جميعاً قد خلقوا على صورة الله، وفى داخلهم الإحساس العميق بالمعايير الإلهية (انظر رومية ١: ٣٢، ٢: ١-١٦)، وقانون الحياة الذى سوف يعيد تلك الصورة إلى المجد اللائق بها (٣: ١٠) لا يحتاج لأن يمحو بالضرورة كل القيم غير المسيحية، ويبدأ من جديد على أنقاضها، بل سوف يستطيع أن يبنى عليها، وأن يصل بأفضل ما يوجد في العالم خارج جدران الكنيسة إلى النضج الكامل. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه يتضح مثلاً من رومية ١٢: ٩، ١٣: ١-٧ أن بولس توقع من المسيحيين أن يدركوا المعايير العادية للصالح وللردئ، وأن يتجنبوا المصادمة التي لا حاجة إليهم بها مع المجتمع غير المسيحى. ولكن الخلافات بين بولس ومعاصريه من الوثنيين كانت على درجة من الوضوح شأنها في ذلك شأن التماثلات. لقد صبغ بولس هذه المجموعة من المبادئ أو القواعد بالصبغة المسيحية الشاملة، وليس هذا بمجرد إضافة «في الرب» في بعض النقاط، ولكن بالتوازن الدقيق بين الواجبات والمسئوليات لمختلف أعضاء الأسرة الواحدة بحيث يكون للأطراف القادرة القوية واجباتهم مثلما تكون لهم حقوقهم، وأن يعامل هؤلاء الذين في موضع التبعية والخضوع لسلطان غيرهم كأفراد مسئولين من البشر عليهم واجباتهم ولهم حقوقهم. وعلى هذا النحو فإنه يحدد على نحو قاطع في أحد مجالات الحياة العملية، المعايير التى وضعها في ٣: ٥-١٤.
وفي الواقع، فإنه أمر بعيد الاحتمال أن بولس، وقد حذر المسيحيين حديثى الإيمان بصورة قاطعة ضد التوفيق بين حياتهم وبين حياة عالمهم الحاضر، يمكن أن يطلب منهم هذا الأمر الآن. وهو لم يفعل ذلك على الإطلاق. إن الرواقيين الذين يزودونا ببعض التشابهات الوثنية الشديدة القرب من تلك القوائم التي تتضمن الترتيبات والتنظيمات الأسرية قد أقاموا تعليمهم على قانون الطبيعة، هذا هو الأسلوب الذي عليه العالم، وعلى هذا فإن هذه هي الكيفية التي يجب أن يعيش بها في انسجام مع العالم، أما بولس فقد أقام ترتيباته على قانون الطبيعة الجديدة. لقد حررك المسيح حتى تكون بشراً سوياً، والآن يجب عليك أن تتعلم كيف تعبر عن ذات نفسك الحقيقية بحسب النموذج الإلهى، وليس بأسلوب تأكيد الذات ولكن بأسلوب بذل الذات.
إن المشكلة بالطبع قائمة على أساس أن الكثيرين كانوا يشكون في أقوال بولس ويظنون أنه يقصد بها شيئاً