رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
حيث أن هذا هو الأساس، فإن الحقيقة أيضاً تظهر بوضوح فى بنيتها الكاملة من حيث أن الأخلاقيات التى يمتدحها بولس ينتج عنها الثبات الفردى والجماعى وكذلك التكامل بين أفراد المجتمع بحيث يكون الجميع على قدم المساواة، وهى بمعيار ما إثبات لأصالة هذا المجتمع وصحة نسبته إلى المسيحية.
(عدد ۱۱): فى هذا المجتمع الجديد والتكافل والتضامن الذى انضم إليه أهل كولوسى الآن: «حيث ليس يونانى أو يهودى، ختان أو غرلة، بربرى، سكيثى، عبد أو حر». (إن كلمة « here » تدل على المكان المفترض أن تكون فيه عشيرة شعب المسيح، مع التأكيد أنهم لا يسلكون مثل هؤلاء القوم الذين ورد ذكرهم « هنا » فى هذه العبارة). هذه النوعيات المختلطة للجنسيات المتباينة، وديانات الأسلاف، والطبقات الاجتماعية، توفر أفضل تربة للشكوك المتبادلة، وعدم الثقة التى تتحول بالطبع إلى تلك القائمة من الرذائل التى تضمنتها الآية ٨. كانت هذه التقسيمات لها أهميتها العظمى فى العالم القديم. إن انتشار الحضارة اليونانية فى أثر فتوح الإسكندر الأكبر، كان معناها أن اليونانى، سواء كان من بلاد اليونان نفسها أو من مصر أو آسيا الصغرى، أو أى مكان آخر، كان يمكن أن يعتبر نفسه عضواً فى جماعة متميزة، وعلى نحو ما يشبهون أولئك الذين يتحدثون لغة أوروبية كبرى فى أجزاء كثيرة من العالم الحديث. إنه قد ينظر نظرة متدنية مستخفة إلى القومية الضيقة لليهود الذين يصرون على الحفاظ بثقافتهم القديمة والتعلق بأهدابها، كما أن شعور اليهود بالاختيار الإلهى لإسرائيل وضحالة الوثنية اليونانية القائمة على تعدد الآلهة وما يصحب عبادتها من مظاهر الظلمة والفساد الخلقى، يمكن أن يجعلهم محلاً لاحتقارهم. وما زاد فى إبراز هذه الاختلافات تلك السمة البدنية التى يتميز بها الذكر اليهودى، حيث كان للختان تقديره العظيم فى المجتمع اليهودى على عكس النظرة الساخرة إليه من أعدائهم. أما كلمة «برابرة»، فهى كلمة تحقيرية استعملها اليونان للدلالة على أى من كان لا يتحدث لغتهم.. أما السكيثيون فهم قوم لا نعرف عنهم سوى القليل ويعيشون على الأطراف الشمالية من آسيا. وكانوا يعتبرون أسوأ الأمثلة للبرابرة، ولا يفضلون كثيراً عن المتوحشين. وكان التمييز بين العبيد والأحرار يمثل حاجزاً بين طبقات المجتمع فى العالم القديم يماثل التمييز العنصرى بين الأجناس بسبب الاختلاف فى اللون فى العصر الحديث فى بعض أنحاء العالم إلى وقتنا الحاضر (سواء كان ذلك بصفة رسمية أم لا)، وله آثاره المدمرة على العلاقات الإنسانية وعلى الكرامة الفردية. إن العالم القديم مثله فى ذلك مثل العالم الحديث كانت تسوده شبكة ضخمة من التميز والشكوك والكبرياء، عميقة الجذور إلى الدرجة التى بدت فيها وكأنها هى أمر طبيعى وعادى.
لقد أصبحت هذه الفوارق كما يعلن بولس بطريقة أخاذة، لا تتناسب مع المسيح، حقاً إن القوى العالمية قد أمسكت الجنس البشرى فى قبضتها لأن الرجال والنساء سمحوا لتلك القوى أن تسيطر على عاداتهم فى التفكير والتصرف.. وكان ما وضعه بولس أمام الكنيسة فى مواجهة ذلك (على شكل مذكرة ناقصة) هو أن هذه الحواجز والعادات - فى نظر مشيئة الله الصالحة للجنس البشرى - أمر غير طبيعى وغير عادى.. فهى فى النهاية إنكار لمبدأ خلق الإنسان على صورة الله.
وهذا لا يعنى أن الاختلافات لم يعد لها وجود (كما أن الفوارق بين الذكور والإناث لم تختف فى القائمة