رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
على النحو الذي تشير به أيضاً في الآية ٨. إنهم يجب عليهم أن يخلّفوها وراءهم.
عندما نحس بمد موجة الغضب فإنه يجب علينا أن نعاملها على النحو الذي نتعامل به مع المقتحم الغريب الذي يقحم ذاته علينا، وأن نطردها على التو من الموقع الذي اقتحمته على اعتبار عدم أحقيتها في شغله على الإطلاق، فضلاً عن أن تكون هي الآمر الناهي الذي يتحكم فينا. وهذا في الأغلب أمر صعب يفوق كثيراً ما يبدو عليه الواقع، ولكن من المحتم أن لا نتوقف عن المحاولة، معتمدين على نعمة الله التي تجدد حياة المسيحى باستمرار (الآية ١٠، قارن ٢ كورنثوس ٤: ١٦).
إنه من السهل جداً أن ننساق إلى خطية لا يعرفها الفرد فعلاً، فهذا أيسر بكثير من أن نقع باختيارنا في خطية يكون مجرد ذكر اسمها بغيضاً إلى المسيحى. إن القائمة التي في الآية ٨ هي قائمة أخرى بشعة «الغضب» وهو الحالة المستمرة للكراهية الكامنة المكبوتة أو المرغية المزبدة، «السخط»، وهي الحالة التي تتفجر فيها الأعمال أو الكلمات النابعة من الغضب الكامن في النفس، «الخبث» وهي كلمة يمكن أن يكون معناها ببساطة في اليونانية «الشر» (evil) ولكن الأرجح أنها هنا تحمل معنى إضافياً «الشر المقصود به إيقاع الأذى» «القذف، والافتراء» (slander)، وهو الكلام الذي يحقق للخبث تأثيره العملي». (والكلمة اليونانية هي (blasphemia) وهو الكلام الذي يجرح كرامة الله ذاته (تجديف). وهو يكون في مثل هذه الحالة بسبب الإنسان الذي خلق على (صورة الله)، والكلام القبيح هو الكلام الذي له ارتباط كريه أو مقصد شرير، يلوث كلاً من المتكلم والسامعين. كل هذه الأمور يجب أن تطرحوها «من أفواهكم» أو أن «تنبس بها شفاهكم». وليس في مقدور الإنسان أن يتجنب دائماً الغضب أو الأفكار الممقوتة من أن تشب على غير وعى منه إلى رأسه، ولكن يجب على الفرد أن يعالج مثل هذه الأمور بحزم قبل أن تتحول إلى كلمات تنبس بها الشفاه، إنه ليس بالأمر السليم، وعلى حد ما يقول به البعض، أن نسمح لمثل هذه الأفكار أن تجد متنفساً للتعبير عنها. ولكن الأسلم حقاً أن نعترف بتعرضنا للغضب وأن نواجهه أو أن نعمل على اعتراض طريقه الذي يتسلل منه إلينا، وأن نبحث عن الطرق السليمة والفعالة الكفيلة بسلامة التعامل معه وعدم إتاحة الفرصة لاشتعاله. ولكن الكلمات لا تنقل فقط المعلومات أو تنفس عن ثورة الغضب، بل إن الكلمات قد تؤدى إلى إحداث تغيير في المواقف أو العلاقات إلى درجة لا يمكن استعادتها مرة أخرى. إن الكلمات قد تجرح كما قد تداوى، وكالنباتات البرية التي تحملها الريح، فإن الكلمات المقيتة يمكن أن تنثر بذورها على نطاق واسع، وتولد المزيد من مشاعر الغضب أينما حلّت.
(عددا ٩ – ١٠): ومن بين أكثر البذور خطورة الحقائق الزائفة. ومن هنا يقول بولس: «لا تكذبوا بعضكم على بعض». إن الحق كثيراً ما يكون غير مناسب للآخرين عندما نبديه لهم، أو أنه تعوزه الدقة والمنهجية، أو قد يسبب لهم الضيق، وكثيراً نجرب بأن ننحرف به على نحو غير مريح أو واف بالغرض منه. ولكن هذا كله لا موضع له في حياة المسيحى وتصرفاته: «إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد»، وهذا لا يعنى فحسب أن المسيح يطلب معياراً جديداً للحياة من شعبه المفدى، إن الذات الجديدة قد تجددت... حسب صورة خالقها. إن السلوك الذي حددت معالمه في الآيتين ٥ و٨ هو السلوك الذي تتميز به البشرية المشوهة. وحيث إنها قد خرجت