سراج الكلمة
‹صفحة ١١١ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ١١١

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


ثم يقرر، كما يبدو الموقف فى هذه الحالة اعتباطياً أن يعاقبهم. وعلى العكس تماماً، فإنه يمكن القول بأن «غضب الله» ليس من ذلك النوع المتقلب أو الحقود بل إن رد الفعل الذى يتطلبه الموقف ضد الخطية نابع من قداسة الله الحقة وبره وصلاحه، والذى لا يتسامح مع كل أنواع الشرور والاستغلال والآثام. إن مثل هذا الغضب يبدأ فى إحداث أثره فى الآثار القذرة والمنحطة للخطيئة ذاتها (رومية ١: ١٨-٣٢). ولكن هذه العملية ليست كل ما «يتضمنه الغضب». إنها حتماً تؤدى إلى الدينونة الأخيرة (انظر رومية ١: ٣٢، ٢: ١-١٦). إن صيغة الفعل المضارع المستخدمة فى كولوسى ٣: ٦، ربما تشير بتعمد إلى كلا المعنيين لغضب الله، رغم أن «يأتى» يؤكد الوجه المستقبلى. ويبدو أن جزءاً من هول الجحيم، هو أن أولئك الذين يصرون على اختيار طريق الخطية شعورياً وعلى الدوام بدل أن يسيروا مع الله ينحطون شيئاً فشيئاً عن إنسانيتهم، إلى أن يُمحى بالكلية كل ما كان تشريفاً لهم كمخلوقات خلقت على صورة الله بمحض اختيارهم، وينعدم لديهم كل أمل ولا يستحقون أية شفقة. وربما كان يمكن اليوم فهم التعليم الصعب المتعلق بالجحيم أو الهاوية على أساس الفكرة السابقة، وذلك فى مواجهة الفكرة القائلة بأنه لا وجود للجحيم أو الهاوية، وأنه حتى إذا كان له وجود فإنه سيكون فى نهاية المطاف غير آهل بالمقيمين فيه، أو أنه حتى إن بقى فيه البعض، فإنه يكون من غير المستساغ ذكر مثل هذه الحقيقة. وما لم يكن فى قصدنا أن نسلب بنى البشر كل مسئوليتهم ذات الهدف عن أعمالهم، وأن نقلّل من قدر قداسة الله الكلية ونغمطها حقها، فيجب أن تبقى على الأقل فكرة إمكانية وجود الجحيم أو الهاوية. إن تفشى الشرور التى تتنافى مع سمو البشرية التى خلقها على صورته فى العالم، الشرور التى تجرد مرتكبيها من إنسانيتهم الحقة أكثر مما تسببه من آلام لمن يتعرضون لها تبين بدرجة كافية من الوضوح السبيل الأمثل الذى ننتهجه من أجل فهمها. إن أولئك الذين يتخذون من اقتراف الشرور والآثام منهجاً وأسلوباً لحياتهم، يبدأون بفقد إنسانيتهم، وفى كلمات أخرى يبدأون فى الموت، حتى وهم أحياء. وتشهد على ذلك العيون الميتة للبخيل والمعذّب والعاهرة. إن تأكيد بولس الدائم على الإنسانية الحقة الأصيلة للمسيحى، يلقى بظله الصريح الواضح على الوجود غير المسيحى. إن أولئك الذين يختارون أن يعيشوا بدون الله سيجدون يوماً أنهم قد خسروا مشابهتهم له.

(عدد ٧): إن بولس يعرف تماماً وبدرجة كافية أن الغالبية العظمى من المؤمنين الذين كانوا قبلاً وثنيين سيجدون فى الآية ٥ وصفاً لأسلوبهم السابق لحياتهم (قارن ١ كورنثوس ٦: ١٠-١١). «أنتم تعودتم أن تسيروا فى هذه الطرق». وبقوله له «تسير» فهو يشير بها عادة إلى أسلوب السلوك، (انظر ما سبق عن الآية ١: ١٠)، «فى الحياة التى كنتم تعيشون فيها قبلاً»، إن الفعل «يعيش» يعنى فى منظور بولس معنى أساسياً أكثر مما يحمله الفعل «يسلك» (قارن غلاطية ٥: ٢٥): إن سيرة الشخص، هى سلوكه الواقعى الذى يعلن عن حياته، والحالة التى عليها وجوده الثابت. إن الكلمات الأخيرة فى هذه الآية فى اللغة اليونانية ربما تحمل فى طياتها لهجة الهزء والازدراء: «حينما كانت حياتكم تتكون من مثل هذه الأمور الحقيرة».

(عدد ٨): وأما الآن (وهى الأسلوب التقليدى الذى ينتهجه بولس ليبين النقلة من الحياة القديمة إلى الجديدة، قارن ١: ٢٢). فاطرحوا عنكم كل الأمور التى مثل هذه -وهذه- ربما تشير إلى القائمة التى وردت فى الآية ٥