سراج الكلمة
‹صفحة ١٠٩ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ١٠٩

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


(٢) تجدد المعرفة والحياة على حسب صورة الله (٣ : ٥-١١)

القسم الأول من المناشدة الأخلاقية هى فى أول الأمر سلبية، وتتركز موضوعاتها الرئيسية فى الأوامر: «أميتوا...» واطرحوا عنكم.... (الآيات ٥ و ٨). وهذين الفعلين يتقدمان قائمتين من الرذائل، إحداهما متعلقة بخطية الجنس، والأخرى متعلقة بخطية الغضب. إن القائمتين هما تعبيرات تقليدية عن الأساليب التى يمكن أن يكون المسيحيون فيها غير أمناء مع أنفسهم، والأكثر أهمية من ذلك أن يكونوا غير صادقين مع الله. إن بولس بتحديده للخطايا فى هاتين القائمتين بصراحة مؤلمة، وهى الخطايا التى تعد فى أغلب الأحيان من الخطايا المتقاضى عنها أو التى تقدم عنها أعذار وتبريرات أو المتعلقة بتعبيرات لطيفة، إنما يضع مقياساً واضحاً وصريحاً للكنيسة قديماً وحديثاً. إن الكثير من المسيحيين يميلون إلى التركيز على قائمة واحدة منهما والتغاضى عن الأخرى. إن الواحد ليعرف عن مجتمعات مسيحية ترتعب فزعاً من أبسط نواحى عدم الانضباط الجنسى، ولكنها مع ذلك تكون وكراً للمكائد الرديئة، والاغتياب والنميمة، والطبع الردئ، وعلى العكس من هؤلاء، نجد الذين يتسامحون مع الفسق والفجور العلنى الشنيع حفاظاً منهم على أن ينعموا بحياتهم وأن لا يعكر صفوها أى شئ، للإبقاء على الانسجام والتوافق بين أفراد مجتمعهم.... ومع ذلك فإن الإنجيل لا يفسح أى مجال لأى نمط من هذه الأنماط السلوكية المنحرفة.

(عدد ٥): فإذا كان المسيحيون قد ماتوا فعلاً وقاموا حقاً مع المسيح، فإن عليهم أن يميتوا أى شئ ينتمى إلى طبيعتهم الأرضية. وحرف الفاء فى القول (فأميتوا) يرينا، كما هو الحال غالباً فى كتابات بولس، أن الأمر يعتمد على التعبيرات السابقة. إن الحياة الجديدة والتى ستستعلن بصورة تامة فى اليوم الأخير (الآية ٤)، يجب أن نفسح المجال لرؤيتها مقدماً، فى الزمن الحاضر، ومن خلال السلوك المسيحى والترجمة التى تقول: (أميتوا طبيعتكم الأرضية) عبارة مضللة تماماً. إن بولس لا يحامى عن التجرد البوذى من الحياة الإنسانية العادية، ولكنه بالأحرى يدعو إلى التخلى عن أسلوب الحياة «الأرضى»، التى تتعارض مع أسلوب الحياة «السماوى»، بالمعنى الموضح فى الآيات ١-٤، أى أسلوب الحياة الذى يخص الدهر القديم ولا ينتمى إلى الدهر الجديد. ويمكن ترجمة هذه العبارة حرفياً «أميتوا أعضاءكم التى على الأرض» كما فى الترجمة العربية، ومن المرجح أن بولس يقصد هذا التعبير المجازى اللغوى الجياش بالحيوية، وعلى نحو ما نراه فى متى (٥: ٢٩-٣٠ ، ١٨: ٨-٩). إن ممارسات من هذا القبيل مثل العضو المصاب بالغنغرينا فى نظر الجراح، الذى يجب استئصاله قبل أن تسرى عدواه إلى جسم الشخص كله.

تتحرك القائمة من التخصيص إلى التعميم. إن الكلمة المترجمة هنا «الزنا»، تشير إلى أى اتصال جنسى خارج الزواج. ومثال ذلك أنه فى العالم القديم، كما فى العالم الحديث، فإن الاتصال الجنسى مع عاهرة، يمكن أن يكون علاقة خاصة محدودة، وفى نظر الثقافة الوثنية أمراً مألوفاً. كما أن «النجاسة» تلقى الضوء على تلوث الشخصية الناجم عن السلوك اللاأخلاقى. إن الكلمة المترجمة «الشهوة» فى الإمكان أن تشير إلى أية عاطفة تحكم قبضتها وسيطرتها على الشخص، ولكنها عادة كما هو الحال هنا، فهى تشير إلى الدوافع الجنسية التى لا