رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
الأمر الذي يدعو إلى التطلع إلى الأشياء التي في السماء، هو أمر بالتأمل في السماويات، وأن تُمعن النظر في نوعية حياة المسيح، وأن نفكر ملياً في جلوسه الآن على عرشه رباً للعالم. إن الكتاب المقدس لا يقول الشئ الكثير عن السماء. ولكن سمتها الرئيسية واضحة وجلية، إنها الموضع الذي يحكم منه الآن المسيح المصلوب، والذي صارت لشعبه حقوق المواطنة الكاملة فيه بالفعل (فيلبي ٣: ١٩-٢١). إن في تركيز أذهاننا على شخصية يسوع المسيح، وعلى هذا المزيج الفريد من المحبة والقوة المعلنة في الأناجيل، هو أن نبدأ ونحن على الأرض نعكس عليها حياة السماء الحقة.
(عددا ٣-٤): ويعزز بولس أوامره على التصميم بشدة للحصول على «الأشياء التي من فوق»، في الآيتين التاليتين. «لأنكم قد متم (كما في ٢: ١١-١٢ و٢٠)» و«حياتكم مستترة مع المسيح في الله». هذه العبارة تترك العديد من أسئلة بدون إجابة، وعلى هذا يستمر بولس في كلامه قائلاً: «متى أظهر المسيح، حياتنا، (١) فحينئذ تظهرون أنتم أيضاً معه في المجد». وهنا نجد لدينا وصفاً كاملاً، وإن كان موجزاً عن المرتبة الحقيقية للمسيحى. (لقد مات مع المسيح وقام من بين الأموات، فحينئذ سيظهر معه في المجد». وهنا نجد أن هناك توازناً كاملاً بين ما هو واقع الآن، وبين ما لم يحدث بعد. وهذه خصيصة متميزة لتعليم بولس عن الحياة المسيحية. لقد انبلج فجر الدهر الجديد، والآن أصبح المسيحيون فعلاً ينتمون إليه. ومع ذلك، فإن الدهر القديم لم يختتم بعد، وإلى أن يموتوا أو (إلى حين ظهور الرب مرة أخرى في مجيئه الثاني) فإن حياتهم الجديدة ستبقى حقيقة مستترة، «مختفية» عن الرؤية (عن الآخرين، أغلب الوقت، وغالباً بدرجة كافية، عن أنفسهم أيضاً).
وعلى هذا تصبح حياة المسيحيين جزءاً من السر، وهو الخطة السرية لله، والتي يجب أن تعلن للعالم في آخر الأيام. وتلك الحياة ليست فقط «مستترة مع المسيح في الله» (الآية ٣) بل إنها فعلاً حياة المسيح نفسه (الآية ٤)، رجاء مجدهم (۱: ۲۷). وكما في (رومية ٨: ١٨-٢٠) أو (يوحنا الأولى ۳: ۱-۳)، فإن آمال المسيحى ليست فحسب من أجل مجئ الرب، بل من أجل الإعلان الكامل عما سيكون عليه موقفه الفعلى رجلاً كان أو امرأة. ومن ثم سوف يرى في ما بعد مدى الجهد الأمين المثابر الذي بذله الفعلة المسيحيون الذين قد خدموا الرب، وإن كان الكثيرون من خارج حقل الخدمة قد يرونهم كفعلة منسيين ومجهولين وفاشلين في عملهم. إن بولس السجين، اليهودى المنحرف والغريب الأطوار بالنسبة للرومانيين، والأسوأ من الخائن الأعمى في نظر اليهود، سوف نراه كبولس الرسول، خادم الملك. إن أهل كولوسى، وهم أولئك الوثنيين السابقين الذين لا كيان يذكر لهم، والمقيمين في بلد ريفى من المرتبة الثالثة، سوف يرون في مجد، قدر له أن يظهر الآن، فإنه سوف يكون أهلاً لأن يقدم له الإنسان العبادة، وهذه هي الطريقة التي يجب عليهم أن ينظروا بها إلى حياتهم من هذا المنظور، وأنه على هذا الأساس يجب أن يبنوا قداسة أصيلة وكمالاً مسيحياً.
(١) تقول الترجمة الإنجليزية: متى أظهر المسيح (حياتكم)، لكن المخطوطات الكثيرة تقرأ (حياتنا)، ويفضل هذا على أساس أن الناسخ كان من المرجح أن يحولها إلى (حياتكم) لتتناسب مع ما جاء في الجزء التالي من الآية، لكن الكاتب يرى أن (حياتكم) تساندها مجموعة كبيرة من المخطوطات، ويمكن أن تكون قد تحولت إلى (حياتنا) لتجنب ما قد يفهم أن بولس كان يقول إن المسيح كان (حياتهم) وليس حياته هو أيضاً.