سراج الكلمة
‹صفحة ٩٩ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٩٩

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


المناقض إنما يأتى من قبل ذلك الذى يبتهج(۱) «بالتواضع الكاذب وعبادة الملائكة». إن الكلمة المترجمة «التواضع الكاذب» تحمل مدلولاً رديئاً نتيجة للوضع الذى جاءت به فى المناقشة فقط هنا (وفى الآية ٢٣). إن نفس الكلمة فى ١٢:٣ تأتى وصفاً للخلق المسيحى. وربما كان يجب أن تكون على صلة أكثر التصاقاً مع العبارة التالية: قارن ترجمة (JB)، (الشعب الذى يرغب فى التذلل للملائكة وعبادتهم)، إن الكلمة قد استخدمت فى بعض الكتابات اليهودية كمرادف تقريباً للصيام الذى كان يُعتقد فى بعض النظم أنه يُحدث رؤى سماوية. ومع ذلك، فإن هذا الأمر يوجّهنا إلى السؤال: هل كان الشعب الذى يهاجمه بولس يعبد الملائكة فعلاً، وإذا كان هذا هو الواقع فعلاً فأى نوع من الدين أو الفلسفة كانوا يظنون أنهم يمارسونه؟ هناك ثلاثة مسارات رئيسية للإجابة على هذا السؤال: المسار الأول يبحث فى الحركات التوفيقية بين الديانات المتعددة التى سادت هذا العصر للوقوف على العلامات الواضحة للعبادة التى كانت تقدّم للملائكة، والخروج منها بالعديد من الإجابات المتنوعة الممكنة، والتى ليس فى أى منها إجابة شافية يمكن الاعتماد عليها كأساس لما جاء فى هذا الأصحاح ككل. أما المسار الثانى فإنه ينظر إلى «عبادة الملائكة» ليس من منظور عبادة البشر للملائكة، وإنما من منظور العبادة التى يتقدم بها الملائكة إلى الله، ويشيرون فى هذا الصدد إلى العديد من الشواهد من الديانة اليهودية التالية للكتاب المقدس والتى ليست مخطوطات قمران أقلها قدراً، حيث نجد فيها شعائر دينية تتضمن الإسهام البشرى فى عبادة الملائكة، ومحاولات الدفاع عن مثل هذه الطقوس. أما المسار الثالث فإنه ينظر إلى هذه العبادة بنفس منظور المسار الأول، ولكنه يرى فيها مثالاً آخر لأسلوب بولس الساخر الشديد الوقع فى تهكمه. إن الشعب الذى يعارضه قد أمضى وقتاً طويلاً فى تأملاته عن الملائكة، أو فى الاحتفال بالحقيقة القائلة بأن الناموس قد أعطى عن طريقهم، وأنهم فى واقع الأمر إنما يعبدون الملائكة بديلاً عن الله، وهى التهمة التى ولابد أن اليهود فى عصر بولس كانوا يرفضونها معلنين سخطهم ونقمتهم عليه، إن كان من الصعب عليهم دحضها أو تفنيدها(٢).

إن المسار الثالث يتوافق مع أسلوب وسياق رسالة كولوسى ص (٢) توافقاً جيداً. وموضوع الاشتراك فى طقوس عبادة الملائكة كان أمراً له اعتباره، ومن الممكن أن يكون جزءاً من السبب الذى جعل بولس يُشير إليه متهكماً ويعتبر هذه العبارة، وإن كانت فى ظاهرها نوعاً من التفكير السماوى وفائقة الروحانية، إلا أنها فى حقيقتها تقترب من الوثنية.

كان لدى بولس ثلاثة أشياء يقولها عن الشخص الذى يصرّ على هذا النوع من «الروحانية». إن الشئ الثالث هو أن ذلك الشخص ليست له أية صلة مع «الرأس» والذى سوف نعرض له حالاً. أما الشئ الثانى فهو أن عقله غير الروحانى ينفث فيه أفكاراً باطلة، وهنا يسحب بولس هذه العبادة الباطلة ويعود بها إلى الأرض التى هى مصدرها. وبالنسبة للروحانية الفائقة التى يفتخر بها هؤلاء المصلحون نرى بولس يضع بديلاً لها «اللاروحانية»


(۱) إن العبارة اليونانية هنا (thelonen) والمترجمة (delights in) بمعنى يبتهج أو يسر، هى عبارة سامية غريبة الجرس، لا مثيل لها فى أى موضع آخر من العهد الجديد (وفى الترجمة العربية "راغباً).

(۲) يقترح (كايرد Caird) تعديلاً لهذه الفكرة بالقول إن طاعة التوراة هى فى الحقيقة عبادة مقدمة للملائكة الذين أنزلوا التوراة (انظر المقدمة).