رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
محل نقد من الآخرين (كما يقول بذلك ج. ب فيلبس J.B.Philips أو بحسب ما تقول به ترجمة NEB) «حملهم على القيام بمهمة ما»، أو كما ذهبت إليه ترجمة (JB) «أن يحكموا في ما يخصهم». إن هذا الأمر يعني استبعادهم أو إعلامهم بأنهم مستبعدون من شعب الله، على أساس فرائض الشريعة التي (بحسب ما جاء في الآية ١٤). لم تعد حائلاً أو عائقاً في طريقهم. وهذا بالمعنى الأوسع، هو ما قد حدث (ما كان ينذر بالحدوث) للمسيحيين في غلاطية (انظر غل ٤: ١٧). إن عبارة «في أكل أو شرب»، تشير إلى شرائع الطعام المباح أكله في الشريعة اليهودية والتي وردت في العهد القديم، والتي كان ما يزال معمولاً بها إلى أيام بولس والتي كانت تتضمن أيضاً الخمر وكذلك الأطعمة(١). «أو من جهة عيد أو هلال أو سبت» وهي تلك القائمة بالأيام المقدسة اليهودية التقليدية (والتي مثالها في حزقيال ٤٥: ١٧، هوشع ٢: ١١)، وجميعها تشير إلى النظام التنازلي للاحتفالات السنوية الكبرى، والاحتفالات الشهرية والأسبوعية (تقديس يوم السبت وحفظه). هذه الشرائع المنظمة للأطعمة والطقوس الدينية كانت هي التي تميّز اليهود عن جيرانهم الوثنيين، وكان فشلهم في حفظها يتضمن أن الفرد لم يعد ينتمي إلى شعب الله.
ومن المهم أن نلاحظ ما لم يقله بولس في مقابلها، إنه لا يقول قط هنا، ولا في غلاطية، إن المسيحية ليس لها أى صلة باليهودية. إن مثل هذا الأمر كان سيبدو حجة قوية في حث أهل كولوسى (أو أهل غلاطية) على أن لا تكون أدنى صلة مع الفرائض اليهودية، إلا أنها سوف تؤدي إلى قطع الرافد الذي تعتمد عليه المناقشة بأكملها، وأعني به الإيمان أن المسيحية هي تتميم لليهودية. إن المسيحيين هم أعضاء في «الدهر.. الآتى» الذي كانت إسرائيل في انتظاره. «ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض» (١كورنثوس ١٣: ١٠)، أو كما عبّر عنه هنا: «هذه هي ظل الأمور العتيدة»، والتي مع ذلك، هي الحقيقة التي توجد في المسيح.
هذه اللغة التي تعبّر عن «الظل» وعن «الجوهر» كان من الميسور استخدامها في اليونانية الهيلينية «بالمعنى الأفلاطونى، بالمقابلة بين عالم الظلال الخاص بالأمور المادية، وبين عالم الأشكال أو الحقائق الروحية. والواقع أن بولس يبدو أنه يعقد مقارنة هنا ما بين الفرائض المادية الخارجية والحقائق الروحية الداخلية. ولكن كما أنه لم يقل على الإطلاق إن المسيحية ليس لها أى صلة باليهودية، فإنه أيضاً لم يقل على الإطلاق إنها ليست لها أدنى صلة بالأشياء المادية، حتى مع الأشكال الخارجية للعبادة والطقوس الدينية. فهناك في الحقيقة أربعة أسباب من أجلها لا يجب أن تفهم الآية ١٧ على أنها هجوم عنيف على الأشياء المادية في ذاتها.
أولاً: إن المسيحية هي أيضاً ديانة عالمية معلنة ولها رموزها الخارجية الخاصة بها (انظر ٢: ١٢إلخ)، والمقصود أن نحياها في حقيقتها الواقعية (٣: ٥-٧). ولأن ننظر إلى الآية ١٦ من منظور نصف أسطورى على أنها تدين كل الفرائض الخارجية فإن هذا يعني وقوعنا في نوع من الغنوسية الحديثة أو في ضرب من التناقض
(١) ربما المقصود التوسع في تطبيق شريعة النذير في (عدد ٦: ٣ على سبيل المثال) أو في التطبيقات الأوسع فيما يختص بالكهنة الذين يخدمون في خيمة الاجتماع في (لاويين ١٠: ٩). انظر أيضاً الشريعة التي تحرم طبخ جدي في لبن أمه (خروج ٢٣: ١٩، ٣٤: ٢٦، تث ١٤: ٢١) والتي توسعت فيها التفسيرات لمعلمى اليهود بحيث امتدت إلى تحريم شرب اللبن مع أى طعام، والتي وردت في المشنا.