سراج الكلمة
‹صفحة ٩٥ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٩٥

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


ذلك الحين، قد تآمرتا لوضع يسوع على الصليب. كانت هذه الرياسات غاضبة عليه لتحديه لسيادتها، جردته محقرةً إياه على الملأ، واحتفلت بنصرها عليه. إن بولس في إحدى عباراته المثيرة جداً المفاجئة والمفعمة بالحركة والتناقض الظاهرى عن الصليب، والتي توضح بصورة لا مزيد عليها في تفصيلاتها مدى قسوة الآلام البدنية التي عانى منها المسيح في موته على الصليب، نراه على العكس يعلن أن الله على الصليب قد جرَّد هذه الرياسات والسلاطين وأشهرها جهاراً وجعلها في موضع الاستهزاء العام على الملأ، وقادها في موكب نصرته في المسيح، المسيا المصلوب. إن هذه القوى وقد أنجزت أسوأ ما قدرت عليه في جهالتها حين صلبت رب المجد بتهمة التجديف والتمرد قد تجاوزت في ذلك كل الحدود(١). لم يكن المسيح مجدفاً ولا متمرداً، إنه كان في الواقع ملكهم الشرعى. ومن هنا عرضوا أنفسهم لذلك الذي كانوا عليه- كمغتصبين للسلطان الذي كان حقاً له وحده- وعلى هذا يصبح الصليب مصدر الرجاء لكل الذين كانوا أسرى تحت سلطانهم، واستبعدوا أنفسهم للخوف والشك المتبادل. لقد حطّم المسيح القبضة الأخيرة التي كانت لهذه الرياسات على شعبه، بموته لأجلهم وهو الآن يُرحب بهم في عشيرته الجديدة، التي انتفت منها كل أساليب العالم القديم، بما تتضمنه من أنماط للسلوك، وتمييزات عنصرية وطبقية وجنسية، والطاعة العمياء للقوى السياسية والاقتصادية، فضلاً عن التحيز، والاستسلام للخرافات. كل هذا قد انقضى أمره وأصبح كنفايات لا قيمة لها. ومن هنا فإن الآية ١٥ تقدّم الأثر الناتج لكل ما تضمنته الآية ١٤.

إن هذه الفقرة تثير بطريقة واضحة هذا السؤال: كيف استطاع بولس، وهو الذي قال سابقاً إن «كل الأشياء» قد صولحت مع الله من خلال الصليب (١٩:١-٢٠، انظر التعليق عليها)، أن يعلن هنا أنه على الصليب قد تمت الغلبة والظفر على هذه الرياسات؟ إن مفتاح هذا اللغز المفقود، والذي لم يُعبر عنه صراحة إلا أنه مفهوم ضمناً، وهو تعليم «السقوط». عندما نظر الله إلى خليقته، التي خُلقت في المسيح ولأجله (١٥:١-١٧) علم أن كل ما خلقه حسن جداً. ولم تكن في الوضع الذي كانت عليه في حاجة إلى المصالحة. إن تدخل الخطيّة قد نتج عنه اغتراباً مثلثاً- بين الله والبشرية، والبشرية والعالم (متضمنة الاغترابات بين الأفراد والأجناس)، (وبالتالي) الاغتراب بين الله والعالم (انظر رومية ١٩:٨-٢١). وكانت استجابة الله لهذا الموقف الاستجابة النابعة عن محبته المطلقة. ونظراً لأنه كان يريد أن يحقق للعالم أفضل ما يمكن أن يتحقق له، فلقد صمم الله أن يخلّصه كلية من الشر الذي أفسد على العالم حياته إلى أعماقها. وعلى هذا كان الصليب، وفي نفس الوقت، هو التأكيد على مقت الله للخطيّة ونتائجها الشريرة (وبصفة خاصة تشويه صورته في خليقته البشرية) والتأكيد على تصميمه الثابت الأكيد على تخليص البشرية والعالم. إن الالتباس القائم ما بين (الظفر بالأعداء وهزيمتهم)، في الآية ١٥ وبين (المصالحة) (في ١٩:١) هو على هذا النحو قياس تمثيلي للحقيقة المزدوجة لموقف الله تجاه بنى البشر الخطاة. إنهم كخطاة في حاجة إلى أن يموتوا جزاء الخطيّة، وكمخلوقات من بشر خلقوا على صورة الله، هم في حاجة إلى إعادة تأكيد بشريتهم الحقة وإعادة خلقهم في القيامة. وهذا ما سيتكلم عنه بولس في الآيات (٢٠:٢-٤:٣).


(١) انظر (١كورنثوس ٧:٢-٨)، فالقرينة بأكملها (١٨:١-١٦:٢) تتضمن العديد من المتماثلات مع رسالة كولوسي..