سراج الكلمة
‹صفحة ٩٢ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٩٢

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


لتأكيد تأثير الفرائض التفصيلية والتي بسببها كانت هذه «الكتابة» وأعنى «الناموس»، والتي جعلت كلاً من اليهود والأمم مغلقاً عليهم في الخطية. ويجب أن نلاحظ أن التوراة الموسوية لم تكن رقيباً متنبهة تجاه اليهود والأمم على نفس الأسلوب. فهى في رأى بولس قد أغلقت على اليهود في الخطية وأوصدت باب الرجاء في الوعد بالعضوية في شعب الله على الأمم.

(د) إن الله لم يلغ(٤١) هذه (الشريعة المكتوبة) فقط، بل لقد «رفعها مسمراً إياها على الصليب. إن الصور البيانية في هذه العبارة قد تزاحمت على هذا النحو بحيث يعسر علينا أن نرى كيف يمكن الربط فيما بينها، ولكننا لو تتبعنا خط التفكير الذي تسير عليه هذه الفقرة حتى الآن، ووقفنا على ما قاله العديد من الكُتَّاب. إن هناك إشارة تعود بنا إلى الوراء إلى اللافتة التي سمَّرها بيلاطس على الصليب حاملة اسم «ملك اليهود» باعتباره السبب الظاهرى لتنفيذ حكم الإعدام في يسوع (انظر يوحنا ١٩: ١٩)، فإن التفسير التالي يكون موحياً به. أُرسل يسوع إلى المحكمة الرومانية بعد أن أعلنت محكمة يهودية أنه مستوجب الموت، حيث أنه مذنب بحسب الناموس وأصدرت حكمها بذلك (أياً كانت نظرتنا إلى التفصيلات). وكان حكم بيلاطس صدى للحكم اليهودى، وإن كان قد انعطف به في تطوّر جديد حين علّق على الصليب اللافتة التي حملت ذلك العنوان «ملك اليهود». ولكن بولس حين نظر إلى الصليب رأى هناك بديلاً عن ذلك، اللافتة التي تعبر عن الاتهام الموجه إلى الأمة اليهودية جمعاء، (الشريعة المكتوبة) التي تواجههم جميعاً، وتجعلهم غير مستحقين للحياة في الدهر الجديد. فلقد كان الله، وليس بيلاطس هو الذي وضع هذه المدوّنة المكتوبة التي سمِّرت هناك على الصليب. وينضوى تحت التأكيدات التي أبرزتها المقترحات المختلفة على النحو الذي عرضت به، أن هذه الآية تقرّر نفس الحقيقة التي نجدها في (غلاطية ٣: ١٣ أو ٢ كورنثوس ٥: ٢١). إن يسوع كممثل لشعبه يموت موتهم على الصليب، وعلى هذا فإنهم بموتهم هذا معه، لم يعودوا في حاجة لأن يموتوا مرة أخرى. وهذا هو الأسلوب الذي عالج به الله الخطية لكى يكون لشعبه حياة جديدة. إن القرينة هي التي تعزز هذه العبارة التي أطلق عليها لوثر اسم المقايضة الرائعة (يأخذ يسوع خطايانا، ونأخذ نحن برّه، كما جاء في ٢ كورنثوس ٥: ٢١)، وذلك في مواجهة كل ما تعرضت له هذه العبارة من مظاهر سوء الفهم في بعض الأحيان. إن الله نفسه هو مصدر العمل لفداء الخطاة، وذلك ليس بصورة الطاغية المستبد الغاضب الذي لا يبالي بشعبه، والذي لم يهدأ إوار غضبه إلا بضراعة ابنه، أو على أسوأ الحالات، لأجل الدم المسفوك. إن المسيح وقد مات بحكم «الشريعة المكتوبة» التي وقفت ضداً لنا (ربما كان ضمير المتكلم الجمع الثاني تأكيداً ضمنياً للمغايرة مع المسيح الذي أخذ هذا الأمر على عاتقه بديلاً عنا). ولم يكن ذلك بدافع من التبادل التحكمى للأدوار، ولكن بسبب أنه هو «كالمسيا» كان حقاً ممثلاً لشعبه، وعلى هذا كان يليق به أن يتخذ موقفهم وأن يحلّ محلهم.

إن هذه الآية، حين تُفهم على هذا الوضع، تحقق أمرين في سياقها الأوسع: إنها في المقام الأول تشرح كيف عمل الله غفران الخطايا، وعلى هذا صارت الحياة الجديدة متاحة للجميع. والأمر الثاني أنها تُعيد التأكيد على


(٤١) حرفيا (محا) ذلك أن الأحبار القديمة المستخدمة في الكتابة على أوراق البردى كان من السهل إزالتها بالغسيل.