سراج الكلمة
‹صفحة ٨٧ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٨٧

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


هذه الفقرة ولكن (على سبيل المثال) مما جاء في (رومية ٦: ٢٢) و(غلاطية ٣: ٢٧). ولقد قيل أحياناً إما أن «المعمودية» هنا هي مجرد مجاز لغوى يشير إلى «الحدث الروحى» الذى يصبح به الفرد مسيحياً، أو أن مغزاها الرئيسى الاعتراف الجهرى بالإيمان.

ولكن فكر بولس لا يجب أن يحصر في أسلوب المفارقة التاريخية، ذلك الأسلوب البروتستنتى المبنى على أساس من (إما هذا أو ذاك) أو على أساس اللاهوت الجدلى الكاثوليكى عن هذه المسألة. ومن المؤكد أن بولس لا يريد أن يجزم بأى شئ انعزالى مثل الوضع الذى تعرض دوماً للمعارضة القوية من البروتستانت (عن حق) وأعنى به أن طقس (معمودية الماء يجعل الشخص مسيحياً) بمعنى أن الفرد المرشح للمعمودية يتحول طوعاً أو كرهاً إلى المسيحية، ويصبح بذلك مالكاً للحياة الأبدية بطريقة آلية لا تتحول ولا تتبدل.

إن بولس كيهودى كان يؤمن بالتكافل العرقى لشعب الله (أى بوحدة المصالح والارتباطات من جميع النواحى القومية والجنسية والاجتماعية والدينية). وعندما تحول إلى المسيحية نقل إلى الكنيسة فكرة أن شعب الله كان في الواقع شعباً - وهو في واقعه الآن ليس قوامه جنس واحد فحسب، ولكنه مكوّن من كل عشيرة تحت السماء(١). وهذا الشعب ليس مجرد عشيرة غير منظورة معروفة من الله وحده، بل هي جماعة حقيقية تعيش في الزمان والمكان، الكنيسة التى فيها يعترف بالمسيح كالرب: المدخل الخارجى والمنظور إلى هذه العشيرة الخارجية والمنظورة يتحقق من خلال طقس المعمودية.

وهذا يشرح المناشدة المتكررة لبولس أنه من واجب الكنيسة أن تصبح في واقعها ما هي عليه من الناحية النظرية، إنها يجب أن تضع في مجال التطبيق العملى كل تفصيلات الحياة التى التزمت بها في المعمودية. ويتضح من كورنثوس الأولى (١٠) أنه من المحتمل - في رأى بولس - أن يتمم تعميد الشعب، ومع ذلك تظل هناك خطورة أن يفقد كل شئ. إن هذا الأمر لا يجعل من المعمودية مجرد طقس خال من المعنى. فالمرشح للمعمودية حين يوضع في العشيرة التى يكون فيها المسيح محل محبة وعبادة، فإنه يصبح بذلك في أحسن وضع ممكن للنمو في الإيمان والحياة المسيحية الناضجة، وإذا وجدنا تعبيرات بولس عن آثار المعمودية عسيرة على الفهم، فمن المحتمل أن يكون مرجع ذلك أننا فقدنا رؤيته للكنيسة كشجرة الله المحبة المرحبة بأعضائها، والشعب الذى بالمساندة، والقدوة، والتعليم، يساعد الواحد منهم الآخر على قبول الإنجيل إلى أعمق أغوار كيانهم، وبذلك تتحقق لهم (بين أشياء أخرى كثيرة) التعبيرات الغنية الجياشة بالمعانى التى في (كولوسى ٢: ١٢)، والتى سنعود إليها الآن.

«مدفونين معه في المعمودية»، أى أن موته قد اعتبر على أنه هو موتهم، ومن نفس المنظور فإن أهل كولوسى أيضاً في المعمودية «التى فيها أقمتم أيضاً معه بإيمانكم»، وكما أن مدخل أى مبنى يبين غالباً أى نوع من البناء هو، هكذا المعمودية وهى المدخل إلى الحياة المسيحية (قارن رومية ٦: ٢-١١) تبين أنه معنى كونك مسيحياً هو


(١) من أوضح التعبيرات عن هذا الوضع ما جاء في غلاطية (٣: ٢٦-٢٩).