سراج الكلمة
‹صفحة ٨٦ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٨٦

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


المعمودية. ولكن «خلع جسد البشرية»، حتى وإن كان يسمح بالعديد من المعانى لكلمة جسد فى كتابات بولس، إلا أنه يبدو كطريقة شديدة الغرابة للتعبير بشكل مناسب عن الموضوع. وعلى هذا فإن بعض العلماء يقترحون أن الإشارة إنما هى إلى خلع المسيح لجسده البشرى بموته (وهذا قد يتضمن أن الجملة الأخيرة، «ختان المسيح»، ليست إشارة إلى «الختان المسيحى»، ولكن إلى «موت المسيح»، مشاراً إليه بـ «الختان». حقاً لقد كان بولس يفهم موت يسوع نفسه وليس مجرد انتحال المؤمن له لنفسه، أثناء اللحظة التى تم التعامل فيها مع الخطية. (انظر مثلاً ٢: ١٣-١٥) فى ما سيأتى بعد).

ولكن ليست هذه هى النقطة: إن سياق الكلام يتطلب أن يقول بولس شيئاً عن ما حدث لأهل كولوسى عندما أصبحوا مسيحيين. وعلى هذا فإنه يجب علينا أن نبحث عن هذا الأمر إلى مدى أبعد.

هناك معنى واحد محتمل لهذه الكلمات، وهو أن خلع الجسم الطبيعى، يفترض أن يترك النفس أو الروح عارية، ومن الواضح أن مثل هذا الأمر لا يليق بأولئك الذين ما زال عليهم أن يواجهوا الموت الطبيعى، كما أنه من الصعب أن يكون هذا المعنى وارداً فى اللاهوت المسيحى. والحل الأفضل أن نعالج هذه الجملة على اعتبارها أنها تعنى على أى حال نفس المعنى الوارد فى ٩:٣، ولكن هذا يؤول فى فقرتنا الحالية تأكيداً أخلاقياً لا مبرر له. ومع ذلك فهناك معنى مجازياً آخر يمكن أن يقدم معنى رائعاً هنا وهو أن أهل كولوسى نتيجة لمعموديتهم فى المسيح أصبحوا الآن ينتمون أولاً وبصفة رئيسية لأهل بيت الله، وعلى هذا فإنهم لم يعودوا ينتمون إلى الأسر البشرية (ورياساتهم المحلية) التى كانوا فى السابق ينتمون إليها. إن كلمة (جسد أو جسم) يمكن فى الحقيقة أن تحمل بسهولة معنى إضافياً علاوة على معناها الأصلى فتدل على جماعة من الشعب، وأبعد من هذا تحتاج إلى إعادة تحديد معناها لتوضيح تصور أى جماعة هى المقصودة (كما فى «جسد المسيح»، وفى تلك القرينة فإن كلمة جسد، من السهولة بمكان أن تمدنا بالمعنى الآخر الأساسى، من حيث أنها يمكن أن تحمل ليس فحسب «معانى الطبيعة البشرية الخاطئة» ولكن أيضاً وفى وقت واحد معانى التكافل الأسرى (١).

إن العبارة فى هذه الحالة يمكن أن تعنى: «بخلع روابط التكافل البشرية القديمة»، إن المهتدى إلى الإيمان بخلعه ملابسه عند المعمودية (إن الإشارة إلى المعمودية فى الآية التالية قد أفضت معنى نابضاً بالحيوية إليها) يترك وراءه- كما يعرف ذلك كل راشد مرشح للمعمودية من أى مجتمع من دين آخر- كل مصالحه وعلاقاته التى تتصل بحياته القديمة، وارتباطاته بالأسرة والمجتمع التى كان يدين لها بالولاء حتى ذلك الوقت، ويستوى فى ذلك الرجل أو المرأة. إن هذا المعنى يستقيم تماماً مع بقية القطاع.

إن التحول من التكافلات القديمة إلى ذلك النوع الجديد من التكافل يتم فى المعمودية. إن مثل هذه العبارة تنذر الكثير من المسيحيين فى هذه الأيام ليقفوا على مخاطر النظر إلى المعمودية كطقس سحرى يتحول خلاله الشعب آلياً من الوضع القديم إلى الجديد، وقد تسبب أسلوب بولس الواقعى فى ارتداد الكثيرين ليس فقط من


(١) انظر (رومية ١٤:١١) حيث نجد أن الكلمة اليونانية «أنسبائى» هى حرفياً (جسدى).