سراج الكلمة
‹صفحة ٨٤ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٨٤

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


«في حقيقة مجسمة» (١)، ومع ذلك فإنه لا يجب علينا أن نفصل تماماً بين الاثنين. إن جزءاً من غرض بولس هو أن ذلك التجسد، وأخذ الله الهيئة «الجسدية» كان ما زال هو «الحقيقة المجسمة»، والتي فيها تحققت كل الظلال السابقة، وكل الوعود القديمة التي كانت تنبئ بأن الله سوف يسكن مع شعبه. إن الكلمة اليونانية (theotes) والمترجمة «معبود» يجب التمييز بينها وبين الكلمة اليونانية الأخرى (theiotes) والتي تعنى «ألوهية»، وهى خاصية يمكن تصور أن يمتلكها كائن في مكانة أقل من الله نفسه. إن العدد في واقعه أكثر كثيراً من كونه مجرد تعبير مأخوذ عن إحدى العقائد. إن هذه الآية مكنت بولس من تحقيق أمرين. أولهما أنه يعرض لنا عدم احتياج المسيحيين لأن يدينوا بالولاء للكائنات العلوية فوق الطبيعة والتي ليست في حقيقتها آلهة، أو بتعبير أكثر قوة أوثاناً حين نقابل بينها وبين المسيح. إن الإنسان يسوع المسيح، الممجد الآن ليس واحداً من طغمة الكائنات الوسيطة، الملائكية، أو (في معنى ما) الكائنات السماوية ذات الطبيعة الأسمى من طبيعة البشر. إن الإنسان يسوع المسيح هو بصورة فريدة «حضور الله وذات الله نفسه». ثانياً: كان بولس متلهفاً على أن يوضح أن كل مزايا التوحيد (التي شدّت انتباه العدد الوافر من الأمميين بتناقضها مع الخليط الوثني غير المهذب والمربك)، قد أصبحت الآن حقاً ومطلباً شرعياً للمسيحية. إن المسيح ليس إلهاً ثانياً مختلفاً عن الله ذاته. إنه التجسيد الكامل والتعبير الحقيقي عن الإله الواحد، إله إبراهيم وإسحق ويعقوب.

إن أولئك الذين هم الآن خاصته، هم على هذا النحو قد أعطوا كل الملء في المسيح. إن نفس الجذر اللغوى يشكل الأساس لكل من هذه العبارة ولتلك التي في الآية ٩ «كل ملء» وتوحى المتماثلات في أفسس (١: ٢٣، ٣: ١٩) بمعنى أن الله يقصد أن يفيض بحبه وقوته وغناه على حياة الرجال والنساء، وفي نهاية الأمر على كل الخليقة، وأنه قد بدأ الآن في تنفيذ هذه الخطة من خلال المسيح وبواسطة روحه. ذلك هو ميراث أهل كولوسى في المسيح، ولن يكونوا في حاجة إلى أى شئ آخر ومن أى مصدر كان. كما أنهم لم يعودوا في حاجة للخضوع لسلطان أى سيد آخر، «لأنه الذي هو رأس كل رياسة وسلطان»، وإن ترجمة (NIV) لعبارة (Head of) «رأس ... إلى (Head over) رأس فوق...» تبين بحق أن رأس (Head) لا يجب أن تفهم بالتعبيرات اللغوية المجازية عن «رأس ... وجسد» في (١: ١٨)، (٢: ١٩). إن كلمة «رأس» كلمة مرنة قابلة للتكيف ومثيرة للذكريات والعواطف في العبرانية واليونانية وأيضاً في الإنجليزية، ومن ثم لا يجب علينا أن نحشر كل استعمالات بولس لهذه الكلمة في حيز ضيق أو أن نكبسها في نفس القالب. ومن المحتمل أن تكون «كل رياسة وسلطان»، في هذه الآية وأيضاً في الآية ١٥، إنما تشير مبدئياً إلى نفس الكيانات التي تشير إليها الكلمة اليونانية (Stoicheia) في الآية ٨ (وربما إلى سلسلة القوات في ١: ١٦). إنها على أقل تقدير الرياسات والسيادات التي تتوافق مع حجة بولس عن غرضه الذي يقصده هنا. إن كل مقومات القوة، قديماً أو حديثاً، سواء سياسية أم اقتصادية أم عرقية لديها الإمكانية لأن تكون منافسة للمسيح، مغرية أتباعه بالولاء لها للحصول على مزيد من الأمان.


(١) يقتبس (كايرد) العدد (٢: ١٧) على أساس أنه يشبه عكس الحقيقة المجسمة إذ يقول (ظل الأمور العتيدة). وهذا صحيح تماماً. لكن اعتراضه على ترجمة (جسدياً) يمكن الرد عليه بما جاء في الآيات اللاحقة للعدد (١: ١٥) السابق الإشارة إليه.