رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
١٠:١ (فيما سلف) كانت وما تزال تعبيراً لغوياً قياسياً للسلوك الأخلاقي. وهنا نجد التأكيد يقع على السلوك اللائق بالفرد الذى يعترف بيسوع رباً. إن هذا هو الهدف النهائى لمناقشة بولس والذى يتضح بتعابير لا لبس فيها من الفقرة (٣: ١-٤: ٦) بعد أن حذر من السير فى طريق ملتوٍ قد يؤدى إلى مجاز ضيق مغلق.
إن النوع الجديد من السلوك قد أصبح ممكناً لأولئك الذين قبلوا المسيح يسوع رباً، والذين صاروا «متأصلين ومبنيين فيه وموطدين في الإيمان كما علمتم متفاضلين فيه بالشكر». ومن الصعب عليه أن نقول من منظور بولس كم من هذه المجازات اللغوية ما يزال هؤلاء المؤمنون يحيون فى نطاقها. وحتى هو كان من الصعب عليه أن يتصور (سلوك) المسيحيين فى المسيح عن طريق كونهم متأصلين جيداً كشجرة تمد جذورها عميقاً في الأرض، ومبنيين كبيت قائم على أساس من الصخر، وثابتين فى التعليم كوثيقة قانونية، ويفيض منهم الشكر والحمد والتسبيح كإناء ممتلئ بالخمر الجيدة. إن كل من هذه الصور البيانية، لها مع كل ذلك المفهوم الذى تعبّر عنه. ومن الأمور الجديرة بالملاحظة، أنه بينما جاء الفعل فى الصورة البيانية «متأصلين» في صيغة تدل على أن المسيحيين قد أصبحوا منذ الآن وإلى الأبد «راسخين وثابتين» فى المسيح، فإن الفعل «مبنيين فيه» (فى صيغة المضارع)، وهو الأمر الذى يوحى بصفة الاستمرار فى النمو، وهى فكرة رئيسية هامة فى هذه الرسالة موجهة إلى هذه الكنيسة الحديثة النشأة. ولسنا متأكدين من الناحية (اللغوية) عما إذا كانت عبارة «موطدين في الإيمان» يقصد بها بولس أن يزداد إيمانهم نفسه فى القوة، أو أنهم هم أنفسهم يجب أن يصبحوا أكثر قوة (من بعض النواحى) بواسطة إيمانهم، أو أن يصبحوا أكثر تمسكاً بالإيمان، أى بالمسيحية ككل. كان ومن الممكن لبولس أن يقول أى واحد منها. إن الإشارة إلى التعليم الذى تلقوه «كما عُلمتم» تبين أن القول الأخير هو الأرجح في صحته. لقد كان الشكر ملء أعطاف الكنيسة إلى درجة أنه كان على الدوام يفيض على الوسط المحيط بها، وهو قد جعل فى هذه الرسالة بمثابة المركز للحياة المسيحية (انظر ١: ١٢-١٤ و٣: ١٥ و١٧، ٤: ٢). وكما رأينا سالفاً، فإن الشكر الذى نقدمه لله يجب أن يكون الصفة الرئيسية المميّزة لشعب الله، «وعلامة على أنهم فعلاً يعيشون فى العصر الجديد». إن الكنيسة التى تتعلّم حقاً كيف تعبد الله هى الكنيسة النامية لتصل إلى النضج التام. ولقد قدّم بولس لأهل كولوسى على التو الأسباب الوفيرة التى يتحتّم عليهم من أجلها أن يشكروا الله، وسوف يقدم لهم باختصار المزيد من هذه الأسباب.
ب- لا تدعوا احداً يعزلكم عن المسيح (٢: ٨-٢٣)
إن وجود التقسيمات فيما بين (٢: ٦-٤: ٦)، هى كما رأينا إلى حد ما تعسفية. إن التحذيرات فى القطاع الحالى منذ التعليم الكاذب تستمر حتى (٢: ٢٣)، ولكن (٢: ٢٠-٣: ٤) تشكل قنطرة للتوازن بين هذه التحذيرات وبين الدرس الأخلاقى الوارد فى الأصحاح الثالث. يبدأ هذا القطاع بصفة متميزة بعبارة تلخيصية (الآية ٨)، والتى تظهر مضامينها فيما بعد، ويمكن تلخيص هجومها الرئيسى على النحو التالى: إن أهل كولوسى يمتلكون حالياً كل ما يحتاجون إليه من خلال انتمائهم ليسوع المسيح المصلوب والمقام. واليهودية -على ما يبدو ظاهرياً- كانت تقدّم الشئ الكثير للوثنيين، بينما هى بذاتها مجرد شكل آخر للحياة الدينية فى العصر الحاضر، والتي قد