رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
أ- المقدمة : السلوك فى المسيح (٢: ٦-٧)
(عددا ٦-٧): تلخص هاتان الآيتان بكل دقة المضمون الكامل لهذه الرسالة. ففيها يصوغ بولس فى نسيج واحد، خيوط تفسيره اللاهوتى لشخصية المسيح وعمله الذى جاء فى المقدمة مع التعليم العملى الذى يجب أن يؤسس عليه: «فكما قبلتم المسيح يسوع الرب، اسلكوا فيه». إن التأكيد فى ضوء المقدمة الطويلة للرسالة يجب أن يكون: إن هذا المسيح (صورة الله، وحكمة الله، وسر الله) هو الذى «قبلتموه» حين أصبحتم مسيحيين. وعلاوة على هذا، فإن هذا المسيح ليس سوى يسوع المصلوب والقائم من بين الأموات، والذى تمجّد الآن باعتباره الرب والسيد. إن كلاً من الأجزاء الثلاثة للعبارة «المسيح يسوع.. الرب يجب أن تعطى أهميتها اللائقة بها».
ولكن ماذا يعنى بولس بعبارة: «قبلتم المسيح»؟ هنا يجب أن نأخذ حذرنا حتى لا نقع فى المفارقة التاريخية بأن نضع حادثة ما فى غير زمانها الصحيح. إن عبارة «قبلتم المسيح»، فى اللغة الدارجة الآن غالباً ما تعبّر عن مفهوم أنهم أصبحوا مسيحيين والتى تتركز فى دعوة المؤمنين الجدد ليسوع المسيح أن يدخل فى قلوبهم وحياتهم. إن مثل هذه الفكرة لها قوتها بما تستثيره من الذكريات والعواطف، وهى ذات صلة وثيقة بالتعليم البولسى عن سكنى المسيح فى قلوب شعبه (رومية ٨: ٩-١٠، أفسس ٣: ١٧). أما الصعوبة التى تُصادفنا هنا فهى أن عبارة بولس «قبلتم المسيح» غالباً ما تحمل فى ثناياها معنى إضافياً معيناً. إن الفعل «قبلتم» وفى اليونانية (Paralambano) يستعمل أحياناً بالمعنى الفنى المنقول عن اليهودية، والذى يشير إلى انتقال التعليم من شخص أو من جيل إلى آخر: قارن «كما عُلّمتم»، فى الفقرة التالية (١). وهناك بالإضافة إلى هذا، إشارات عديدة فى الفقرة توحى بأنه كان فى ذهنه لحظة ومغزى المعمودية. إن عبارة «المسيح يسوع الرب» تتوافق تماماً مع صيغة الجهر بالإيمان الباكر. يسوع المسيح هو رب (فيلبى ٢: ١١، قارن رومية ١٠: ٩، ١كورنثوس ١٢: ٣)، والتى منها يجهر المهتدون بإيمانهم، عند معموديتهم. إن بولس يذكر المعمودية بوضوح فى الآية ١٢، وفى موضوع آخر من الفقرة توجد أفكار متنوعة مرتبطة بها. (انظر ما سيأتى بعد). كل هذا يُشير إلى ترجيح أن معنى «قبلتم المسيح يسوع الرب» إنما هى إشارة من بولس إلى قبول مسيحيى كولوسى للكرازة بيسوع الرب، وإلى ما نتج عنه من جهدهم باعترافهم بالإيمان، وإلى الوضع الجديد الذى أصبحوا فيه كأعضاء فى جسد المسيح (انظر ٢: ١٩). كل هذه الأمور قد أصبحت لهم (والذين كانوا قبلاً غارقين فى بيئتهم الوثنية) حين اتخذوا هذا الموقف الإيمانى وخضعوا للشعائر الخاصة بالمسيحية وأعلنوا قبولهم لها.
إن أولئك الذين قبلوا المسيح يسوع الرب (بالمفهوم الفنى لهذا المصطلح) يجب «أن يستمروا فى الحياة فيه»، وهنا نجد أن ترجمة (NIV) القوة الاستمرارية للجملة الأمرية وتجعل منها حقيقة ملحة لا سبيل إلى تجاهلها. إن الكلمة الإنجليزية (Live) كلمة مبهمة فقد تعنى الحياة نفسها أو السلوك الأخلاقى. ومع ذلك، فإن المعنى الذى يقصده بولس هنا واضح. إن الكلمة حرفياً تعنى «يسلك» والتى هى فى الفكر اليهودى (انظر الشرح على الآية
(١) قارن مثلاً ١ كورنثوس ١١: ٢، ١٥: ١-٥، فيلبى ٤: ٩، ١ تسالونيكى ٤: ١، ٢ تسالونيكى ٣: ٦- والشاهدان الأخيران من هذه الشواهد يبينان الارتباط مع فكرة السلوك فى المسيح.