رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
الأمر هكذا فإنه يكون من الخطأ الواضح أن نراهما هنا كجماعتين مختلفتين. إن حرف العطف (و) يجب أن تكون هنا، كما هو الأمر الغالب يقصد بها الشرح (القديسين، أي الإخوة المؤمنين). إن بولس غالباً ما يشير إلى المسيحيين «كقديسين»، مبيناً بذلك ليس مستوى متقدماً من القداسة بل حقيقة كونهم قديسين من خلال الإيمان والمعمودية (انظر التعليق على ١٢:٢)، الذين انفصلوا عن العالم من أجل الله. إن هذه التعبيرات اللغوية تخص الكنيسة ككل، حيث نراها كشعب الله الحقيقى، «إسرائيل الحقيقى»، إن كلمة «المؤمنين» من المحتمل أنه لا يجب أن نأخذها على معنى «الذين لهم الإيمان المسيحى»، ويمكن أن نستقرئ هذا المعنى من حقيقة دعوة بولس لهم (إخوة)، ولكن يجب أن تؤخذ بمعنى، «المتأصلين» و«الموطدين» في الإيمان. إن العبارتين «في المسيح»، و«في كولوسى»، في «at» في (NIV) هي ترجمة للكلمة اليونانية (en) بمعنى في (in) متوازنتين توازناً محكماً في اليونانية، قائمة في كل جانب على العبارة المركزية «القديسين والإخوة المؤمنين»، وهذا يساعدنا على أن نأخذ عبارة «في المسيح»، بمعنى الظرف المكاني، أى أنها ليست مجرد كلمة مرادفة لكلمة «مسيحى»، وليست أيضاً بمعنى «الاستغراق الروحى التصوفى»، ولكن على أنهما تشيران إلى المسيا (Messiah)، الملك «الممسوح» الذى فيه يجد شعب الله الحقيقى ذاته. ولأن توصف بأنك «في المسيح»، و«في كولوسى»، يعنى أن مكانك قد تحدد بدقة تامة في مقاصد الله، كعضو في شعبه الحقيقى، وفي تلك الجماعة الأرضية الخاصة حيث دعى فيها كل عضو إلى الخدمة والشهادة.
إن بولس يكتب إلى أهل كولوسى تحمله رغبة واحدة كبيرة، وهى نموهم إلى كمال النضج المسيحى. وفى ضوء ذلك يمكن أن نفهم تحيته: «نعمة لكم وسلام من الله أبينا»، (وهو هنا يكيف صيغة التحيات العهدية). «فالنعمة» ترى الحياة المسيحية والنمو كهبة مجانية من الله، و«السلام» بالمعنى الإضافي للكلمة العبرية (Shalom) لا يشمل مجرد السلام الشخصى للعقل والقلب، بل البركات الأربع الخاصة التي يفيضها الله على أسرة العهد. إن المسرح قد أعد لرسالة من خلالها يستهدف بولس بكتابته، أن تكون وسيلة لتلك النعمة، وبذلك تجلب معها ذلك السلام الوافر والناضج (انظر مثلاً ١٥:٣).
ثانياً : تعريف ببولس وموضوعه (١: ٣-٢: ٥)
هذه المقدمة الطويلة كثيراً ما تقسم إلى أجزاء، لا رباط فيما بينها تقريباً وبصفة خاصة بالنسبة للفقرة (١: ١٥-٢٠ المنفصلة تماماً عن باقى المقدمة). ولكن هذه المقدمة هى فى الواقع كل مركب، وبنهايتها يصير بولس مستعداً للانتقال منها إلى صميم الرسالة. وفى هذه المقدمة كلها نجد أن بولس فى حقيقة الأمر يعرفهم بنفسه، بحيث تتمكن هذه الكنيسة الحديثة النشأة أن تدرك أن كتابته إليهم فى هذا الوقت إنما هى ببساطة إحدى تدفقات خدمته الموهوبة له من الله. وهو يقول فى الواقع «إن هذا هو الذى من أجله أشكر الله لأجلكم» (١: ٣-٨)، «وهذا هو السبب الذى من أجله أنا أصلى لأجلكم» (١: ٩-٢٣)، و«هذا هو ما أفعله لأجلكم» (١: ٢٤-٢: ٥). وفى تقديم نفسه إليهم على هذا النحو يضع الأسس للدافع الرئيسى لرسالته، وهو النضج فى المسيح الذى يأمل أن