رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
لذلك، فنحن لا نستطيع معاملة كولوسى كمجرد دليل للاهوت النظامى. إن اللاهوت النظامى هو فرع حيوى، ولكن قراءة العهد الجديد ليست من هذا الطراز. إنه ليس فى مقدورنا أن نأخذ كتابة بولس وتأليفه منفردة، ونضع مقادير ضئيلة منها فى تركيبات وتأليف أخرى من صياغتنا. بل يجب علينا أن نصغى إليه بشروطه الخاصة التى صاغ فيها كتاباته. ذلك إننا عندما نسمع ليس فقط ما يقصد أن يقوله، بل ربما أيضاً معانى إضافية وأصداء ونتائج غير متوقعة تتناسب مع محيطنا وبيئتنا. وعلى هذا فإن علينا أن نقوم بسياحتين: سياحة المؤرخ بالرجوع إلى المعنى الأصلى، وسياحة اللاهوتى أو المبشر بالرجوع إلى زماننا ومكاننا محملين بالمسئولية، ملتمسين معونة الله وإرشاده فى حديثنا إلى الكنيسة المعاصرة والعالم، وأن يكون حديثنا إليهم عن كل ما سمعناه من الله. إن التفسيرات الكتابية (وبخاصة تلك التى فى السلسلة الحالية) تستهدف بصفة رئيسية أن نقوم بالرحلة الأولى. وحتى هذه لا يمكن أن تتم بدون أن نتزود بقدر من التعاطف مع المادة موضوع الدراسة. إن عملية التحاور مع النص ضرورية بقصد الوصول إلى تحقيق هذه الغاية، قد ينتج عنها بعض المؤشرات التى تلمح على الأقل إلى التطبيق المعاصر للدراسة من الوجهة العملية. إن محاولة سماع ما كان يقوله بولس لكنيسة كولوسى ربما يساعدنا على نحو ما على سماع ما يقوله الروح للكنيسة فى هذه الأيام.
هاتان المهمتان لن تكونا تقريباً متماثلتين طبعاً. فليست كل كنيسة فى حاجة إلى تحذيرها من الديانة التى تعلى من شأن الملائكة أو تشجع الزهو الروحى الزائف. (إن كلا الأمرين قد أصبح فعلاً موضة قديمة فى كثير من الدوائر المسيحية اليوم قد أصبح فعلاً «موضة قديمة» فى كثير من المواطن). وعلى أى حال فإنه يكون من الخطأ أن نرى فى كولوسى تحذيراً من ديانة مفرطة فى روحانيتها فى مقابل فكرة أن الإنسان يحيا الآن فى السماء، وعلى ذلك فإنه لا يقيم وزناً كبيراً للمسئوليات الأرضية(١)، وعلى العكس من ذلك فإن بولس فى كتابته كان يؤكد لأهل كولوسى أنهم حقيقة- وحتى الآن- من رعايا السماء. وهناك بلا شك خطر ماثل من الثقة المفرطة بالنسبة لأولئك الذين يؤمنون بهذا. ولقد كتب بولس رسالة كورنثوس الأولى وهدفها جزئياً تحويل نظر أهلها عن مثل هذا الخطر الذى يتهددهم حتى يتجنبوه. إلا أن هناك خطراً مماثلاً حين نفشل فى تحقيق ما يعنيه الانتماء للمسيح والاستمتاع به وتقديم الشكر لله من أجله، وأن نحيا الحياة بالأسلوب اللائق به. وربما يكون هذا هو الخطر الذى يتعرض له البروتستانت الذين يساورهم القلق لئلا يغالوا فى إسباغ منزلة أرفع مما يجب على الكنيسة. وذلك ما يبدو أنه السبب جزئياً
(١) يختلف تفسيرى لرسالة كولوسى بالنسبة للكنيسة فى الوقت الحاضر اختلافاً كبيراً عن التفسير الذى قدمه (لوكاس R.C.Lucas) فى تعليقه.. أنا أعتقد أنه أصاب فى تحليله لاتجاهات فوق طبيعية معينة سائدة فى المسيحية المعاصرة، كما أنه أصاب فى قوله إنها أكثر تمشياً مع روح العصر عن الإيمان المسيحى الأصيل.. إلا أننى لا أعتقد أن هذا ما كان يتكلم عنه بولس فى رسالة كولوسى.