سراج الكلمة
‹صفحة ٣٤ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٣٤

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


في النظر إلى كولوسى وبصفة خاصة أفسس، واعتبارهما لدى بعض الجماعات فكراً يتعارض مع الفكر البولسى والذى يقصد به غالباً (البروتستنتية). والكنيسة، في نظر بولس، هي جسد المسيح، التي تجلس حالياً مع ربها في المنازل السماوية، وفى نفس الوقت مدعوة لأن تتحمل الآلام وأن تعمل وتشهد في العالم. وعندما يتحقق الفرد أنه كامل في المسيح، فإن في هذا ضمان أكيد ضد أخطار المسيحية الفجة، والبحث المستمر عن البدع الروحية والقلق الذى لا داعى له والمخاوف على منزلتهم أو متطلبات حياتهم، والزهو بالمنجزات التافهة، وكلها تمثل خطراً يتهدد المسيحيين في عالم اليوم لا تقل عما كان عليه الحال في العالم القديم.

واللجوء إلى الهجوم العنيف الذى نجده في رسالة كولوسى الأصحاح الثاني يمثل مشكلة من نوع خاص. وهناك من غير شك بعض المسيحيين الذين يحتاجون إلى تحذيرهم من أن الانزلاق إلى اليهودية، أو محاولة الربط بينها وبين المسيحية يعنى الارتداد من العهد الجديد إلى العهد القديم. وآخرون يتحتم عليهم أن لا يدّعوا أن هذا التحذير ضد اليهودية إنما هو موجّه بالدرجة الأولى إلى التقيد الحرفى أو المفرط بالناموس أو الطقسية. إن التركيز في هجوم بولس هو ضد تبنى اليهود لديانة عنصرية أو قومية وتفضيلها على الإيمان بذاك الذى هو رب الكل. إن الموقف العصرى الذى يتماثل تماماً مع موقف بولس الرسول في كولوسى يتحتم أن يقوم على فكرة أن المسيحيين يجب عليهم تشجيع كل أمة أو جنس أن يتبعوا آلهتهم الخاصة بهم. وهذا الاقتراح قائم على ارتباطه بتلك النقطة الفائقة الأهمية، وهى أن لكل جنس، ولكل شخص، الحق في الحرية الدينية، وأن على الدولة أن تكفل هذا الحق لجميع رعاياها. ولكن الأمر يختلف تماماً، وتصبح الحرية الدينية والتى كان يجب أن يكون لها شرعيتها، حرية زائفة حين يمتزج الدين مع القانون في الدولة، فيصبحان وجهين لعملة واحدة. إن الفكرة التي نحن بصددها غالباً ما تدّعى أن نفس الإله هو الموحى في جميع الديانات على اختلافها، ولكن ليس هذا هو الوضع بالنسبة لبولس، إن المسيح ليس معبوداً واحداً (وبالتأكيد ليس إلها غريباً، كما هو الزعم أحياناً) بين الآلهة العديدة. إنه إله يعلو فوق جميع الآلهة. لقد كان التوحيد أو الإيمان بالإله الواحد، دائماً أمراً منكراً، وهو ما علمه بولس جداً عندما تحدّى الشرك وتعدّد الآلهة الكورنثيين بدعواه: «ولكن لنا إله واحد .. وربّ واحد (١ كورنثوس ٦:٨). وهذه هى أيضاً دعواه العظمى في كولوسي. إنها تقف ضد كل وثنية سواء في العصر الحديث أو القديم وكل اللاهوتيات النسبية.

وعلى هذا فإن الرسالة إلى أهل كولوسى سيكون لها على الدوام الدور الهام الذى تقوم به في حياة الكنيسة. كما أننا نحن أيضاً في حاجة إلى النضج كمسيحيين، وأعضاء في الأسرة الإنسانية. إننا في حاجة إلى أن ننمو في معرفتنا بمن هو الله، والعمل الذى قام به من أجلنا في يسوع المسيح، وكيف نعبّر عن شكرنا له في عبادتنا وحياتنا. ونحن أيضاً في حاجة إلى تحذيرنا بأن النضج الحقيقى سواء كان مسيحياً أو إنسانياً، ليس له سوى هذا الطريق. نحن لسنا كولوسيين ولكننا مسيحيون. وهنا تقع مشكلة التفسيرات، وهنا أيضاً حلها.