سراج الكلمة
‹صفحة ٣١ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٣١

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


احتمالاً بعد ذلك أن الموضوعات الرئيسية التى يريد كتابتها قد أعمل فيها فكره طويلاً، ومن ثم تواردت على خاطره تعبيرات جديدة دبجها ببراعة فى رسائله.

وهناك برهان واحد يمكن أن يرجح كفة الميزان فى صالح الأسبقية التأريخية لكولوسى، إذ يظهر من بعض المخطوطات القديمة جداً أن الرسالة التى ندعوها «أفسس» ربما لم تحمل فى الأصل عنواناً لها. وفى هذه الحالة يمكن أن يكون القصد منها أن تكون خطاباً دورياً. وحتى لو كان العنوان الأطول (يتضمن توجيه الرسالة إلى أفسس) أصلياً، فإن الاختلاف الموجود فى المخطوطة يُرينا على الأقل أن الرسالة قد استخدمت فى زمن قديم جداً على هذا النحو، وربما كان ذلك نابعاً من الاعتقاد بأن بولس قد صاغ هنا بترو وإمعان الطابع العام لجميع كتاباته، بما فيها رسالة كولوسى، وإذا توافقت فرضية وجود بولس فى سجن أفسس مع رسالة كولوسى، فإنه يمكن أن يكون مفهوماً اعتبار رسالة أفسس خطاباً دورياً كُتب فى نفس الوقت تقريباً إلى كنيسة أفسس أثناء انتظارها إطلاق سراحه، وأيضاً إلى الكنائس المختلفة مثل تلك التى فى كولوسى ولاودكية، والتى كان قد تم تأسيسها فى المناطق المجاورة (١).

والآن، أى من الرسالتين جاء أولاً: ليس هناك دليل على تعديل فى الآراء، أو تغيير فى الفكر اللاهوتى. وبالأحرى فإن الفقرات المتماثلة فى الرسالتين يمكن استخدامها للاستنارة المتبادلة. إن بولس لا يحاول فى أى من رسائله، ولا حتى فى رسالته إلى رومية، أن يقدّم عرضاً كاملاً وشاملاً «لكل ما يؤمن به». فهو يستدعى مما لديه من ذخيرة لا تنفد من المعلومات التى أجاد تخزينها فى مجالات التفسير واللاهوت، ما يحتاج إليه فقط فى كل مناسبة (وربما يكون فى مقدورنا أن نصل إلى فهم أفضل له، لو حاولنا أن نجعل كتاباته تتفاعل وتتواصل فيما بينها، بدلاً من هذا التعاوض الذى نقيمه بين بعض هذه الكتابات والبعض الآخر. وفى اعتقادى أننا يمكننا تحقيق هذه الأمور إذا حددنا مكان بولس فى أفسس فى أوائل الخمسينات، عندما كان يقوم بكتابة رسالة كولوسى،

٥- كولوسى ورسالتها فى الماضى والحاضر

سبق أن اقترحت أن بولس فى رسالة كولوسى يعتمد على فهمه اللاهوتى العام لمساعدة قراءه لاكتشاف أن النضج الإنسانى والروحى الأصيل هو ما يريده الله لشعبه. لقد فعل الله ما لم يستطع الناموس والحكمة عمله: بإرساله ابنه الوحيد فى شبه جسد الخطية لتحقيق المصالحة، فتعامل مع الخطية على الصليب، بحيث أن الحياة التى قصد الناموس أن يعطيها، الحياة الحقيقية لشعب الله، يتسنى التعبير عنها فى هؤلاء الذين عن طريق الإيمان والمعمودية يصبحون خاصة للمسيح بانتمائهم إليه. إن الكنيسة ليست فى حاجة إلى أن تنظر - ويجب أن لا تنظر - إلى الغفران فى أى مكان آخر سواء من الماضى لأجل النضج فى الحاضر، أو من أجل الرجاء المنتظر. إن بولس وقد واجه كنيسة حديثة النشأة فى بلدة صغيرة فى هضبة آسيا الصغرى، كتب رسالة ركز فيها مفاهيمه


(١) وهذا يعنى أنه ليس مفروضاً علينا أن نوافق على مناقشات روبنسون فى كتابه (إعادة تأريخ العهد الجديد) حيث يقول إنه إذا كانت رسالة أفسس أصيلة فهى تلغى فكرة أنها قد كتبت فى سجن أفسس، وبالتالى تنفى كتابة رسالة كولوسى هناك أيضاً. وعن إمكانية أن تكون رسالة أفسس هى (الرسالة من لاودكية) المذكورة فى كولوسى ٤: ١٦ يمكن الرجوع الى تعليقنا عن هذه الآية.