سراج الكلمة
‹صفحة ٢٩ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٢٩

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


وعلاوة على ذلك هناك حجة إضافية يمكن التدليل بها، على أن بولس كتب رسالة كولوسى أثناء سجنه في مدينة أفسس، ولم يلتفت إليها عادة، وهى تلك المماثلة الدقيقة والتي - سبق أن لاحظناها - بين رسالتنا ورسالة كورنثوس الثانية (التي كتبت أو الجزء الأعظم منها على أى حال)، بينما كان بولس في طريقه من أفسس إلى كورنثوس، والتي تشير إلى الآلام التي عانى منها بولس أثناء إقامته في آسيا (۲كورنثوس ۱: ۸). وإذا كنا سنجعل تاريخ كتابة رسالة غلاطية أثناء نفس الفترة (١)، فإن المماثلات التي بين تلك الرسالة وكولوسى تكون لها أهميتها في هذا الصدد.

وعلى هذا، فإننى أميل إلى وضع كولوسى (وزميلتها رسالة فليمون المرافقة لها) في الفترة ما بين سنتى ٥٢، ٥٥ (ومن الممكن ٥٣، ٥٦)، بينما كان بولس عاملاً في أفسس (أعمال ١٩: ٨-١٠). ومع ذلك فإنه يجب التأكيد على أن هذا، مثل كل النظريات عن موقع رسائل السجن، لا يعدو أن يكون مجرد فرضيات. إن كل ما ندّعيه هو أن هذه الفرضية بصفة خاصة تعطى معنى لكل ما تتضمنه المعطيات التي استندنا إليها من دقائق وتفصيلات، وأنها تفعل هذا من خلال إطار عادى بسيط، فضلاً عن أنها تساعد في شرح بعض المعالم الخاصة لهذا الدليل بأسلوب مفيد للغاية. وترجع أهميتها الخاصة بالنسبة لفهمنا لرسالة كولوسى أنها تلقى ضوءاً قوياً على دورها باعتبارها تعليمات معطاة لهذه الكنيسة الناشئة.

فإذا كان هذا الحل صحيحاً، فإننا نكون بذلك في الوضع الذى نتمكّن فيه من رؤية أثرها على العلاقة بين كولوسى ورسائل بولس الأخرى. لقد سبق أن اقترحنا أن المماثلات مع كورنثوس الثانية لافتة للنظر بحيث أن تعد برهاناً إضافياً لتاريخنا للرسالة بهذا التاريخ، وأن الاختلافات اللاهوتية بينها وبين رومية وغلاطية ليست في ذاتها بالقضايا الخطيرة كما نتصور أحياناً، ولكن من الواضح أن العلاقة بين كولوسى وأفسس حالة خاصة. فلو أننا قرأنا الرسالتين جنباً إلى جنب فلسوف تتزايد دهشتنا أكثر وأكثر بالمماثلة الوثيقة بين البراهين وطريقة التعبير بالكلمات، وذلك على الرغم من أن رسالة أفسس تفتقد القصيدة الشعرية التي تتضمن التحليل اللاهوتى لشخص المسيح (الكريستولوجيا)، وكذلك الهجوم على المعلمين الكذبة والتي تكون السمات الرئيسية لرسالة كولوسى.

إن هذا الدليل يضع أمامنا مشكلة، وهى لحسن الحظ، مخادعة بالنسبة لدارسى أفسس أكثر منها لدارسى كولوسى. فهناك اتفاق عام على أن الرسالتين يمكن اعتبارهما في بعض النواحى - مخطط تمهيدى أو نسخة مصححة من مادة متماثلة (ويمكن اعتبار كولوسى - من بعض النواحى ولكن ليس في جميعها - رسالة جيدة كاملة في الوضع الذى هى عليه، تلقى ضوءاً قوياً وتركز انتباهاً على موضوعات أو أفكار مختلفة، ولكنهما حيث يتطابقان جزئياً، فإن أفسس تبدو أكثر منها صقلاً وأناقة). وهناك أربعة تفسيرات رئيسية تلقى تأييداً من


(١) تؤرخ رسالة غلاطية إما في أواخر الأربعينات أو أواسط الخمسينات من القرن الأول الميلادي - انظر المناقشة الواردة في كتاب (J.A.Trobenson) (إعادة تأريخ العهد الجديد) حيث لاحظ التشابهات بين كولوسى وغلاطية واستند إليها في حجته القائلة بأن رسالة غلاطية موجهة لنفس غرض رسالة كولوسى ليس إلى اليهودية والمسيحيين من أصل يهودى بل موجهة إلى نوع معين من التوافق بين الأديان. ويبدو لى أن هذا الاستنتاج خاطئ.