رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
بيننا وبينه كلما تقلص حجم المادة التي يمكن الاعتماد عليها في المقارنة، كما أن بولس اعتاد أن يكتب رسائله بحسب الظروف العارضة التي تطرأ وتدفعه إلى الكتابة. كل هذا يدفعنا إلى أن نأخذ جانب الحذر والاحتياط من التسرع في إصدار الأحكام والوصول المتعجل إلى النتائج. إن الفنانين والكتاب والملحنين أو المؤلفين للموسيقى، لا يسيرون بأي حال من الأحوال على نمط واحد في إبداعاتهم الخلاقة، وإنما هم متطورون ومتقدمون في أعمالهم. وفعلاً، فإننا حين نسأل (بخلاف رسالة أفسس) أين نجد الارتباطات الأشد التصاقاً برسالة كولوسي، فإننا ما نلبث أن نتلقى إجابات متنوعة مربكة ومحيّرة. إن الفكر اللاهوتي في كولوسي لا نستدل منه على وجهة نظر منتظمة متعلقة بفترة أحدث أو مرحلة أكثر تطوراً، ولكنها تربط نفسها بالأفكار الرئيسية الهامة في كل رسائل بولس الأخرى تقريباً. إن التعليل اللاهوتي لشخصية المسيح (Christology) في كولوسي يتطابق تماماً مع فيلبي (٢: ٦-١١، ١كورنثوس ٦:٨، ٢كورنثوس ٤:٤، ٩:٨)، بينما أن نقده التهكمي الساخر لليهودية، وفي نظرته إلى المسيحيين باعتبارهم شعب العهد الحقيقي، فإنها تنتمى إلى (رومية ٢: ١٧-٢٩، فيلبي ٣: ٢-١١، ٢كورنثوس ٣)، ومع غلاطية ككل. أما إشاراته إلى الكنيسة كجسد المسيح (١: ١٨ و٢٤، ١٩:٢) فلا يجب أن ننظر إليها كانحراف جذري عن ١كورنثوس ١٢ ورومية ١٢ (المسيح هو الجسد الكامل للكنيسة وليس رأسها فحسب) بل علينا أن ننظر إليها باعتبارها استخدامات مختلفة للاستعارة الواحدة. وأخيراً نصل إلى تلك الآية الصعبة المبدعة الحافلة بالمعاني عن الآلام (٢٤:١) والتي يمكن أن نفهمها فحسب بوضعها جنباً إلى جنب مع (٢كورنثوس ١: ٣-١١، ٤: ٧-١٨، رومية ٨: ١٧-٢٥). وإلى حد ما فإن أبسط الفرضيات هو أن ننظر إلى كل هذه الرسائل باعتبارها نابعة ومنبثقة من نفس القلم وفي نفس الفترة التي مداها ست أو ثماني سنوات، فإن جميعها تعكس ليس فقط حاجات ومشاكل الكنائس الشخصية والتي وجهت إليها، ولكن أيضاً الوضع اللاهوتي الشامل فيها، أياً كانت الاختلافات الكبيرة التي نجدها فيها.
حقاً إن رسالة كولوسي لا تذكر تعليم التبرير (وإن كان ذلك يرد بصورة ضمنية متكررة ومثالها في ٣: ١٠-١٣). ولكن وراء هذا الاختلاف (والذي ينطبق فقط، وبطريقة ما على رومية، وغلاطية وفيلبي ٣: ٢-٤). هناك تماثل مثير للغاية بينها وبين الرسائل الأخرى. إن المركز الحقيقي لفكر بولس، كما هو الحال في حياته، ليس التبرير، بل ذاك الذي يكمن خلفه ويعطيه حده الهجومي القاطع، وأقصد به يسوع المصلوب، والقائم من بين الأموات، والذي نراه كإعلان عملي للإله الواحد الخالق، إله إبراهيم، ظاهراً على مسرح التاريخ لإنجاز مقاصده ووعوده بأن يخلق لنفسه شعباً على اتساع رقعة العالم. إن عقيدة التبرير، على الرغم من كونها عقيدة أساسية وحيوية ليست سوى طريق واحد للتعبير عن هذه الحقيقة المركزية لا يمكن استخدامه لقياس فكر بولس بكامله. إن ذلك الوضع ينتمي إلى الكريستولوجيا وهي التعليل اللاهوتي لشخص المسيح؛ ومن الناحية الجدلية هو المحور الذي تدور حوله رسالة كولوسي بكاملها. وكون ذلك لا يقيم بطريقة ما صلة قرابة مع التبرير، أو يخضعه لغيره من التعاليم بطريقة تلطف من حدة طبيعته الهجومية أو تكبح حرية تعبيره، سوف يتضح من معالجتي للفقرات (٢٣-٦:٢).