سراج الكلمة
‹صفحة ٢٥ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٢٥

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


يشجعنا على أن نفترض أن العبقرية المبدعة يمكن اقتناصها حتى مع الألفة الطويلة مع أستاذ من الطراز الأول وإبداعه الفني أو الأدبي. وبصفة خاصة يساورنا الشك وتنتابنا الحيرة إذا كان فى وسع شخص آخر بخلاف بولس نفسه أن تكون له تلك الجسارة والجرأة فى تعبيراته اللاهوتية التهكمية الساخرة المصقولة وإلماعاته عن العهد القديم. فلو كانت هذه الرسالة ليست بقلم بولس، وهو الأمر الذى يجب أن نفترضه، وإنما هى تقليد محكم مدروس جيداً لأسلوب بولس، لما خرجت عن كونها عملاً عديم الحيوية، خجولة، وذلك على عكس ما عليه الرسالة من تدفق نابض بالحيوية، وهذا يقودنا إلى النظر فى الاعتبارات الخاصة بأسلوب الرسالة. حقاً إنه توجد فى هذه الرسالة العديد من التفصيلات ذات الاستعمال اللفظى التى تكاد تبعد بها قليلاً عن أسلوب الرسائل البولسية التى لا يتطرق إليها الشك. إلا أن غالبية هذه التفصيلات ما تلبث أن تتضح عدم أهميتها بإمعان النظر فيها، وهو الأمر الذى قرره (لوسى). إن كل رسالة تتضمن من الكلمات ما تنفرد به دون غيرها، فوجود مثل هذه الكلمات فى كولوسى ليس مدعاة للاعتماد عليها فى قليل أو كثير. إن جميع التعبيرات اللفظية المفترض أنها شاذة يمكن أن نجد نظائر لها فى الرسائل الأخرى(١) حقاً إن أسلوب الحوار ليس على نفس الوتيرة كما هو الحال فى رومية أو غلاطية، حيث نجد أسلوب الحوار القائم على السؤال والجواب، والمعالجة التفصيلية لفقرات العهد القديم، التى يتألف منها جزء كبير من المجادلة. ولكن يتبين لنا من الرسائل الأخرى أن ليس هذا بأى حال هو الأسلوب الوحيد الذى كان فى استطاعة بولس استخدامه، بل الواقع أن رسالة كولوسى تظهر لنا أنها رسالة بولسية على نحو نموذجى من بعض النواحى الأخرى فى الأسلوب، فالموضوعات يتم التعبير عنها فى إيجاز أو بأسلوب شعرى، وما يلبث أن يتقدم إلى أبعد من ذلك. ففى (١: ١٥-٢٠ ، ٢: ٢-٨) ، على سبيل المثال نجد نموذجاً مماثلاً جداً (التعبير الشعرى، متبوعاً فيما بعد بتطبيقات تفصيلية) لما جاء فى فيلبى (٢: ٦-١١ ، ٣: ٢-٨) ، إلى غير ذلك من الفقرات المماثلة.

والترجيح الحقيقى للمجادلة ضد التأليف البولسى، يقع على ما أعتقد، فى قضية الفكر اللاهوتى(٢). وهنا أيضاً نجد أن القضية ليست على تلك الدرجة من القوة التى تتبدى فيها أحياناً. ولنبدأ من نقطة عامة، إن الفكرة السائدة أن رسائل الأسر (كولوسى وفليمون ومعها أفسس وفيلبى) تعرض علينا وضعاً لاهوتياً متقدماً مطرداً يفوق ما نجده (افتراضاً) فى الرسائل المبكرة، وهذا فى حد ذاته أمر سنده خاطئ. إذ فى إمكاننا أن نترسم تغييرات فى وجهة نظر كلفن (مثلاً) لو قمنا بدراسة الاختلافات بين الإصدارات المتوالية لكتابه «المبادئ»، ومن السهل أن نفعل نفس الشئ مع بولس ورسائله، ولكن هذا المظهر خادع ومضلل. فكلما زادت المسافة التاريخية


(١) يعتبر لوسى (Lohse) كلمة - (hoestin) الواردة فى الأصل اليونانى (١: ٢٤ ، ٣: ١٤) وأيضاً فى (١: ٧) إن كانت هناك اختلافات فى كل مثال، يعتبرها استثناءات. لكن هناك بعض الآيات المشابهة بها جمل تفسيرية مثل غلاطية (٣: ١٦ ، ٢تس٣: ١٧ ، أف ١: ١٤ ، ٥: ٥ ، ٦: ١٧) والتشابهات فى ٢تس وأفسس لن يكون لها ثأن بالطبع على أولئك الذين يعتبرون هذه الرسائل أيضاً غير أصيلة لكن الآية المشابهة فى (غل ٣: ١٦) تظهران هذا النوع من العبارات مرجحة أنها لبولس.

(٢) يحوم شويزر حول هذا الموضوع ، فهو من جهة يدعى أن كاتب الرسالة يتبع تماماً مفردات ومفاهيم بولس اللاهوتية .. إلا أنه فى الشرح نفسه كثيراً ما يوجد إسفيناً بين أفكار بولس اللاهوتية وتلك الواردة فى رسالة كولوسى.