رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
إن نقد بولس لليهودية، ليس هدفه- كما شوهته قديماً تلك الصورة «التمسك بالحرف» الذى يحاول اعتبار أن التبرير يمكن تحقيقه بالأعمال الصالحة، بل إن نقده موجه إلى الاستعلاء القومى الذى تستند إليه اليهودية على أساس اختيار الله للشعب اليهودى. إن الهدف من حفظ الناموس، والسير وفقاً للعهد القومى، لم يكن القصد منه هو مجرد اكتساب العضوية فى هذا العهد وإنما هو تجسيده والتعبير عنه فعلاً وعملاً وليس بمجرد التشدق بالأقوال. وبالنسبة لبولس، فإن إنجيل المسيا المصلوب والقائم من بين الأموات، هو الذى كشف عن قصد الله على المدى الطويل، وأنه مختلف تماماً عن القصد الذى ارتآه اليهود عن كونهم شعب الله المختار. إن إسرائيل، كشعب، أعطاهم الله الناموس، كانوا بمثابة مرحلة أولية فى خطة الله، والذى كان فى منظوره على الدوام أسرة تضم العالم على امتداده.
٣- كاتب الرسالة
ولكن هل حقاً كتب بولس بنفسه رسالة كولوسى؟ حتى الآن نحن قد اعتبرناه أمراً مفروغاً منه أنه هو الكاتب، ولكن ليس هناك إجماع فى رأى العلماء حول هذه النقطة. بل إنه ليس هناك حتى اتفاق حول أين تقع ثقل المناقشة إذا ما أردنا أن نصل إلى رأى حاسم حول هذا الموضوع. فبعض أولئك الذين يتشككون فى أصالة وموثوقية رسالة كولوسى يبنون دعواهم ويعززون حجتهم من الفكر اللاهوتى، قائلين إن أسلوب الرسالة لا يزودنا بدلالة صريحة كافية. ومنهم لوسى (Lohse)، فى حين أن البعض الآخر يقول بلباقة إن الفكر اللاهوتى للرسالة هو فعلياً وفى جوهره بولسى، فى حين أن أسلوب كتابة الرسالة هو الذى يدفعهم إلى التفكير فى أن شخصاً آخر غير بولس هو الذى كتبها ومنهم (Schweizer). وهذا ما يوحى فعلاً بأنه لا الأسلوب ولا الفكر اللاهوتى يمكن أن يعطى رأياً حاسماً فى أو ضد حجية ومصداقية هذه الرسالة على النحو الذى اقترحه البعض. ولقد أوضحت الكثير من المؤلفات الحديثة أنه ما يزال هناك الشئ الكثير الذى يمكن أن نسوقه للتدليل على مصداقية هذه الرسالة إلى بولس (كما يقول أوبراين Obrien). وإننى هنا أريد أن أركز فى بساطة على بعض النقاط الخاصة التى يمكن أن نصل عن طريقها إلى إحراز مزيد من التقدم فى هذه القضية.
أولاً: هناك بعض المشاكل العامة تعترض نسبة رسالة كولوسى إلى شخص آخر بخلاف بولس. ذلك أن نسبة الرسالة إلى عصر ما بعد بولس (حسب الرأى الذى تأخذ به بعض الدوائر العلمية)، يجعل الإلماحات الشخصية، وبصفة خاصة تلك التى فى الأصحاح الرابع، أمراً يستعصى شرحه أو إيضاحه(١). ولكن جعل الرسالة معاصرة لبولس، ومع ذلك ننسبها إلى كاتب آخر، كما يفعل شويتزر (وهو يقترح تيموثاوس)، يحل إحدى المشكلات (المقترحة) لكنه يخلق مشكلة أخرى. فنحن لا نعرف شيئاً أياً كان عن إمكانيات تيموثاوس الأدبية، والأمثلة من ميادين أخرى من الفن الإنسانى (مثل الذى قام به سوسماير لإكمال قداس الموتى- Requien) لموتسارت، لا
(١) لو تركنا جانباً موضوع الأسفار المنتحلة برمته (أى عادة كتابة أسفار بأسماء منتحلة التى كانت منتشرة فى أيام الكنيسة الأولى - كما يعتقد أحياناً). وإذا كان الأمر كذلك فما هو المعيار الذى يمكن أن يحدد ما إذا كان عمل معين منتحلاً أم لا؟... وعن هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى الدراسة المتعلقة برسالة بطرس الثانية، إن كان الجدل يسمح باستخدام موضوعات أوسع.