رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
ضداً لكل ما هو يهودى بمجرد يهوديته، حيث يهاجم اليهودية لتمسكها بالتعاليم التى يبدو الآن أن أحداً لم يعد يتمسك بها فى هذه الصيغة على الإطلاق. أما الآن فلقد تغيرت الصورة فى الأوساط العلمية واستبدلت بأخرى جديدة، هى صورة المرآة التى ليس فيها (أو يكاد لا يكون فيه) نقد يوجهه بولس إلى اليهودية على الإطلاق. وبين هذين النقيضين المتطرفين تكمن الحقيقة، وتكون كولوسى فى واقع الأمر هى الجزء الهام من الدليل الذى يضع الأمور فى نصابها.
إذاً أين تقع الحقيقة؟ كان بولس يؤمن أن المسيح هو المسيا، وأنه بموت يسوع وقيامته ومجئ الروح القدس قد ابتدأ العهد الجديد (٢كورنثوس٣)، وأن شعب يسوع المسيح هم شعب الله الحقيقى، وهم الورثة الوحيدون لمواعيد الله لإبراهيم (غلاطية ٣، رومية٤)، وإن حوادث الإنجيل هى بمثابة نقد حاد لكل البشرية، لا يستثنى منه اليهود، ومن ثم فهى إنذار لليهود والأمم على السواء بأن يجدوا خلاصهم فى المسيح، حيث أنه هو الموضع الوحيد الذى يتاح لهم فيه الحصول عليه. وهذا هو الوضع الذى اعتبر فيه بولس معادياً لليهودية، وإلى المدى الذى اعتبر فيه مقاوماً للبشرية الساقطة بوجه عام، ولكن هذه المعارضة ليست نابعة من الكراهية، وإنما مصدرها المحبة المهتمة (رو ٩:١-٥ ، ١٠:١-٢ ، ٢كورنثوس ١٤:٥-١٥ الخ). ولم يبذل بولس أى مجهود، كما فعل المعادون للسامية (من الذين يزعمون أنهم مسيحيين على اختلاف فئاتهم) بالقول بضرورة أن يزول من الوجود المجمع، والتقاليد والتنظيمات اليهودية أو اليهود كشعب. لقد استمر بولس يحضر المجامع . وكان يقول بأن اليهود لا زال لهم الحق والفرصة لسماع الإنجيل، وللإيمان بالمسيح وبذلك يخلصون (رومية ١١:١١-٣٢)، وهى فى ذاتها مجادلة ضد أعداء السامية من الفئات المسيحية التى تجادل مبدئياً فى أن اليهود لا يمكن حالياً أن يخلصوا (١). فإذا كانت هذه توجهات معادية لليهودية ، فإنه ليس فيها ما يخجل منه المسيحيون إذ أن البديل الوحيد لها هو إنكار أن يسوع هو المسيا، وأن الله قد أقامه من بين الأموات مظهراً أن موته كان هو الوسيلة للتعامل مع الخطية وإبطالها (١كورنثوس ١٥: ١٤ و١٧)، وأن روح يسوع هو روح الله القدوس الذى يأتى إلى الوجود بشعب الله «شعب العصر الجديد». لقد تحدث بولس بكلمات قاسية ضد أولئك الذين ينكرون هذه الأشياء، سواء صراحة (برغبتهم فى الربط بين المسيحية وبين اليهودية القويمة) أو بصورة ضمنية مبهمة غير واضحة المعالم. فإذا كانت (رومية ٩-١١) أمراً يمكن الاهتداء به فى هذا المجال، فإن بولس يكون لديه المجال لأن يقول أيضاً أقوالاً قاسية ضد أولئك الذين- تحت اسم المسيا اليهودى- يضطهدون اليهود، أو ينكرون عليهم حقوقهم، بما فيها حقهم فى ممارسة ديانة أجدادهم. والواقع إنه ليس هناك أى برنامج سياسى يختفى وراء الهجوم اللاهوتى العنيف لبولس ضد اليهودية. وإذا كانت الأجيال المتعاقبة قد حولته إلى مثل هذا البرنامج، فليس ذلك خطأ بولس على الإطلاق. إنه كان يعرف الحد الفاصل ما بين الكنيسة والدولة (رومية ١٣: ١-٧) وبين مقولته إن اليهودية لاهوتياً لم تعد هى الطريق إلى الخلاص وبين الفكرة القائلة بأنها هى العدو للدولة المسيحية (وعلى هذا يجب ملاشاتها).
(١) لقد ناقشت هذا الموقف بإسهاب فى الفصل الرابع من كتابى الذى لم ينشر- بعنوان (المسيا وشعب الله) -دراسة فى فكر بولس اللاهوتى وبصفة خاصة فى الرسالة إلى أهل رومية- ولست أعتقد أن أصحاح (١١) من رسالة رومية يشير إلى اهتداء جماعى فى آخر لحظة لجميع اليهود (أيا كان معنى هذا) أو إلى طريقة لخلاص اليهود بغير الإيمان بيسوع المسيح.