رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
ومن الطبيعى أن يتصور بولس تحذيراً في سياق رسالته العملية، ليس فقط بمجرد إحساسه بما قد ينجم من أخطار في المستقبل على الإيمان المسيحى لهذا الشعب، ولكن لأن فى هذا عوناً له (عن طريق المقابلة) على تركيز الانتباه في الحقيقة الأساسية وهى أن المسيحيين أعضاء في المسيح، ومن شعب الله الحقيقي، والإنسانية الحقة. فإن قلنا حينئذ بوجود مقاومين، لهم وجود قائم في كولوسى (وأيا كانت هذه المقترحات مناسبة) فليس هذا القول أكثر من قراءة متعنتة لما بين السطور. وهذا لا يعنى بالطبع أن قراء بولس سيجدون صعوبة في فهم ذلك الذي يتكلم عنه. إن حقيقة وجود أقلية يهودية على نطاق واسع فى هذه الفترة فى مدن وبلدان آسيا الصغرى، قد يكون معناها أن أولئك الذين كانوا قبلاً من الوثنيين واعتنقوا المسيحية في مقدورهم بإعمال فكرهم أن يقفوا على الهدف الحقيقى من الهجوم العنيف الذى يشنه بولس، حتى وإن لم يستطيعوا التعرف على كل وقائعه فوراً.
فهل كان بولس حينذاك يتخيل وجود محاولة من اليهود غير المسيحيين أن يحضوا المتهودين من الوثنية على أن يتحولوا عن بكرة أبيهم من الكنيسة إلى المجمع؟ أو أنه كان في حقيقة أمره أشد قلقاً على المسيحيين الذين يحاولون ربط ولائهم للمسيح بإتباع أحكام الناموس اليهودى؟ أى جماعة المقاومين اليهود المسيحيين الذين تلقاهم فى كل موقع على امتداد العهد الجديد (أعمال ١١: ٢-٣، ١٥: ٥، غلاطية ١٢:٢، تيطس ١: ١٠)؟
إن اتخاذ قرار هنا أمر صعب للغاية. ومن الواضح تماماً- كما يرى ذلك معظم المفسرين -أن التعليم الذى يقاومه ويواجهه بولس أعطى مكاناً رسمياً في نظامه ليسوع المسيح، والآية الوحيدة التى يمكن أن توحى بذلك هي الآية (٢: ١٩)، إذ أن الهجوم الذى نتوقع حدوثه سيأتى من أولئك الذين على الرغم من زعمهم الانتماء إلى المسيح، إلا أنهم ليسوا «متمسكين به تمسك الرأس بالجسد»، ولكنهم يجعلون للتوراة المكانة الأسمى لديهم. ولكن الكلمة التى تترجم عادة (Holding Fast) وفى اليونانية (Kraton) وبالعربية «متمسك» لا تعنى فقط (Holding On To) يمسك بشئ أصبح في متناوله، ولكنها تعنى أيضاً القدرة على إمساك شئ لم يقع في قبضته بالفعل. وعلى هذا فإنها يمكن أن تشير إلى أولئك الذين لم ينتموا إطلاقاً إلى المسيح (ومن هنا جاءت في الترجمة الدولية الحديثة (Niv) ما معناه «لقد فقد ارتباطه بالرأس- وهى ترجمة تتجاوز الأصل اليوناني). علاوة على ذلك فإن ما يعنيه بولس في كولوسى هو أن فى التعلق بسمة الختان والاحتماء الأخلاقى بمظلة الناموس اليهودى، هو خطأ طبقى يقع فيه أولئك الذين يحاولون غواية المسيحيين الذين من أصل وثنى ليصبحوا أعضاء كاملى العضوية فى المجمع اليهودى. إنهم يحاولون حث هؤلاء الذين دخلوا في العصر الجديد أن يرتدوا إلى الوراء إلى القديم. إن هذا النقد لا ينطبق كثيراً (كما هو الحال في غلاطية) على اليهود المسيحيين فى وضعهم الذى هم عليه، ولكنه ينطبق على اليهودية ذاتها.
إن تفسير هجوم بولس العنيف يثير بطبيعة الحال سؤالاً عما إذا كان يمكن اتهام بولس بمعاداة السامية أو اليهودية في هذا الموضع وفى غيره. إن المساحة المتاحة لى هنا لا تسمح بمناقشة هذا الأمر تفصيلاً وعلى النحو الذى يقتضيه مثل هذا السؤال، وعلى هذا فإن علىّ القيام بتلخيص المناقشة الكاملة التى يمكن أن تجرى حول هذا السؤال. حقاً لقد سيطر تشويه بالغ لبولس على المدى الطويل فى الأوساط العلمية، تم تصوير بولس فيه باعتباره