سراج الكلمة
‹صفحة ٢١ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٢١

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


الملائكة»، فى (٢: ١٨) ومظاهر عديدة متنوعة لها جذورها فى اليهودية (۱) (ب) إنه من الأيسر علينا أن نفهم إشارات بولس إلى مظاهر الزهد والنسك (٢: ٢٠-٢٣) باعتبارها من الأسلوب الذى يتميز به بولس فى السخرية والاستهزاء والتحقير، كما أن لها نظيراً مماثلاً فى (مرقس ٧: ٥-٧) ، مما يزيد معه الترجيح أن الهدف من هذا الهجوم العنيف هو الناموس اليهودى، (جـ) وإننا لنرى أن كلا من فيلو ويوسيفوس، وهما من الكُتّاب اليهود فى القرن الأول الميلادى، يستعملان كلمة فلسفة، «لوصف اليهودية» أو على التخصيص طوائف خاصة بداخلها، وذلك فى حديثهم عنها إلى الوثنيين، ومن ثم ليس هناك من سبب يمنع بولس من استخدام نفس هذا التعبير وبخاصة إذا كان هدفه هنا هو أن يصف بالتحديد اليهودية باعتبارها «مجرد عبادة أخرى»، وعليه فإن فرضيتى هى أن كل عناصر هجوم بولس العنيف فى كولوسى يكون لها معناها التحذير ضد اليهودية. إن طريق النضج لشعب الله ليس فى أن يصبحوا يهوداً، بل بالحرى تكون فى انطلاقهم وأن يطبقوا عملياً فى حياتهم الشخصية والاجتماعية العامة معنى موت وقيامة يسوع المسيح. إن هذا يعنى أن تلك النظريات التي تجد تماثلاً بين بعض مظاهر الوضع فى رسالة كولوسى وبين الغنوسية، والديانات السرية، والفلسفات الأخرى كالرواقية والفيثاغورية لا داعى لها ولا هي بكافية: ذلك أنها تسقط بالكامل حين تفشل كلية فى تفسير الفقرة عن الختان فى (٢: ١١-١٣)، والمظهر اليهودى المتطرف فى (٢: ١٦-١٨).

فإذا نحن وضعنا كولوسى جنباً إلى جنب مع غلاطية والفقرات الأخرى التى يتوجه فيها بولس بهجومه العنيف إلى اليهودية، فإننا سوف نجد فيها الكثير من النظائر الواضحة، ولكن فى نفس الوقت هناك اختلافات هامة، ففى غلاطية يواجه بولس صراحة زمرة معارضة قائمة ونشطة، وهو شديد الاهتمام بما تقوم به هذه الطائفة حتى لا يهتز إيمان جماعته المهتدية إلى المسيحية أو يتقوض. أما مجادلته وأسلوبه فى المحاجة فى كولوسى فهو يوحى بأن الموضع هنا لا يصدق عليه ما وجده فى غلاطية. ولقد دفع هذا الموقف بواحد على الأقل من العلماء المحدثين إلى التساؤل عما إذا كان هناك فى الحقيقة «معلمون كذبة» فى كولوسى ممن دفعت أعمالهم وتعاليمهم ببولس إلى العمل على تقويضها. إن هذا الاقتراح يجد تأييداً إضافياً، وعلى سبيل المثال، فى الشكر الذي يرفعه بولس عن الكنيسة وإيمانها (۱: ۳-۸)، وبخاصة تعليق فى (٢: ٥) على حسن ترتيبهم وعلى أن إيمانهم فى المسيح ثابت.

وفى الواقع إنه ليس فى الرسالة ما يتطلب منا أن نفترض أن بولس كان يقاوم فعلاً جماعة من المعلمين الكذبة تسللوا خلسة إلى الكنيسة. إن التأكيد الأساسى فى الرسالة منصب على النضج المسيحى. إن بولس كان يعرف جيداً خطواته يتعقبها ويطاردها فى كل مكان من آسيا الصغرى، أولئك الذين يقومون نوعاً آخر من النضج ويسعون إلى اكتساب المسيحيين الراجعين إلى الله من الوثنية عن طريق اتباعهم للناموس اليهودى.


(١) انظر أيضاً كتاب (F.O.Francis) (التواضع وعبادة الملائكة فى (كو ٢: ١٨) ودراسة رولاند (C.C.Rowland) بعنوان (السماء المفتوحة) عن الرؤويات فى اليهودية والمسيحية الأولى. وخاصة ص٤. ويقتبس رولاند من (كو٢: ١٦-١٨) باعتبارها دليلاً على وجود درجة كبيرة من التأثير اليهودى على معتقدات وممارسات المجتمعات المسيحية فى آسيا الصغرى.