رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
على الوثنيين الذين يسمعون بشارة الإنجيل. ومن هنا فإنه كان من السهل (كما نعرف من رسالة غلاطية) على الشباب الراجعين إلى الله الذين اعتنقوا المسيحية أن يختلط عليهم الأمر، ومن هنا تخيلوا أنه لكى يكتمل إيمانهم المسيحى لابد لهم أن يمضوا فى الطريق إلى النهاية بأن يتهوّدوا ويمارسوا الطقوس اليهودية. ولقد واجه بولس هذا الموقف بالمعارضة الحاسمة القوية وهو ما نراه على سبيل المثال فى رسالة غلاطية وفى الأصحاح الثالث من رسالة فيلبى. وفى اقتناعى الشخصى كان هذا الخطر المماثل هو السبب الذى دفع بولس إلى كتابة رسالة كولوسى، أو على الأقل الأصحاح الثانى. إلا أن الزعم يعتبر موضوعاً للجدل، يتطلب منا أن نمضى فى توضيحه فى مراحل متعددة.
ب- مشكلة أهل كولوسى
اعتنق علماء الكتاب المقدس ولدى طويل الرأى القائل بأن كولوسى قد كُتبت لمحاربة خطر معين مماثل تعرضت له هذه الكنيسة الناشئة، ذلك أن المعلمين الكذبة أخذوا يغرسون فى الأذهان تعاليم وممارسات زائفة تحط من مكانة المسيح وامتيازه الفريد، كما تشجع على الأخذ بالعديد من الممارسات الدينية التقشفية ذات المعانى الروحية الغامضة والمشكوك فيها.. إلا أنه لم يكن هناك اتفاق على هوية هؤلاء المعلمين أو طبيعة تعليمهم، فالبعض يرى فيها طقوساً وثنية لواحدة أو أخرى من العبادات التى سادت التى كان يموج بها العالم الوثنى فى ذلك الوقت، فى حين يرى البعض أنها لا تعدو أن تكون طائفية يهودية متعصبة، وآخرون يقولون إنها نمط مبكر من الغنوسية، وآخرون يرون فيها مزيجاً من بعض أو كل هذه التوجهات الدينية الغامضة. وقد أجريت أخيراً محاولة لترسم الصلات بين الضلالة أو الهرطقة الكولوسية الفلسفة الفيثاغورية(١).
وليس فى مقدورنا هنا أن نناقش كل واحد من هذه الحلول المقترحة، فضلاً عن عرض المجادلات التى دارت حول هذه البدعة. إن المشكلة فى صميمها يمكن أن نعبر عنها على النحو التالى: (أ) هناك عناصر يهودية واضحة فيما يُعارضه بولس، ومع ذلك فهناك الكثير من الأشياء التى يبدو أنها أكثر وثنية من كونها يهودية- العبادة الفعلية للملائكة (١٨:٢)، والممارسات الزهدية النسكية التى يبدو أنها تنكر أهمية نظام الخليقة (٢٠:٢ - ٢٢). (ب) ومن الناحية الأخرى، فإنه بينما الكثير مما يُعارضه بولس يمكن أن تجد الموضع المناسب له فى إطار غير يهودى، إلا أن هناك بعض المظاهر الخاصة (مثل الإشارة إلى الختان فى ١١:٢ التى تبقى لها طبيعتها اليهودية الخالصة والفريدة). ولم يكتشف حتى الآن هذا النوع من الديانة التوفيقية والتى نجد فيها خليطاً من الممارسات الدينية الوثنية واليهودية، فضلاً عن كونها لا تعد فى ذاتها مجرد حادثة عرضية فى سياق معرفتنا التاريخية المحدودة، حيث أنه من الصعب فعلاً مجرد تصوّر وجود مثل هذا الخليط من الممارسات الدينية الوثنية. (جـ) وعلى هذا فإن هذه المشكلة تتطلب أن نتوصل إلى فرضية يمكن أن تصلح لأن تكون أساساً لتفسير
(١) انظر استعراض الآراء فى كتاب W.Meeks & F.O.Francis (الصراع فى كولوسى)، كما أن العالم شويتنزر(Schweizer) يؤيد نظرية الفيثاغورية إلا أنه يخطئ خطأ عارضاً عندما يقول إن (كيرد) Caird "يفترض وجود حركة يهودية رواقية". إذ أن (كيرد) يناقش هذا الاحتمال لكنه لا يزكيه.