سراج الكلمة
‹صفحة ١٧ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ١٧

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


بالسؤال عن السبب الذى يبدو أنه دعا إلى كتابة هذه الرسالة، وبعد ذلك وفى ضوء الإجابة التي نتوصل إليها، نستطيع أن نصل إلى استنتاجات حول موضوع التأليف وتاريخه ومكانه.

أ. كولوسى

كان الذين تلقوا الرسالة هم أعضاء كنيسة ناشئة في كولوسى، وهى مدينة تقع على ضفاف نهر ليكوس (Lycus) في جنوب شرق آسيا الصغرى (تركيا الحديثة) : انظر الخريطة صفحة (١٤). وهى ليست الآن بالمدينة الواسعة أو الهامة، وذلك على الرغم من أنها كانت هكذا فيما سبق. ولقد أكرهت على البقاء في المؤخرة من جيرانها القريبين منها، وهم لاودكية التي على بعد عشرة أميال منها، وهيرابوليس والتي تقع على بعد ستة أميال أخرى. إن هذه الرسالة توضّح أن بولس، والذى فيما يبدو كان يركّز اهتمامه على المراكز الهامة ذات الكثافة السكانية، لم يقم بنفسه بزيارة هذه المدينة، وأن الجماعة المسيحية في هذه المدينة تدين في نشأتها إلى رفيقه في العمل في خدمة الرسالة الإلهية «أبفراس»، والذى قدّم إليهم بالأخبار السارة عن المسيح من بولس إلى كولوسى، وأنه نقل في ما بعد أخبار هذه الكنيسة الجديدة إلى بولس (١: ٧-٨). وإن ما نعرفه عن الحياة الدينية في تلك المدن من أمثال كولوسى مستمد من ذلك الذى نتوصل إليه بالاستنتاج من المعلومات والدلائل المتصلة بهذا الجزء من آسيا الصغرى على وجه العموم، ومن كتابات بولس بصفه خاصة (ومن حيث أن كولوسى لم تستكشف بعد، فإنه لم يتوافر لدينا أية دلائل من الحفريات الأثرية نستطيع أن نخرج منها بمعلومات عن الديانات المحلية التي ازدهرت فيها، أو عن عدد اليهود الذين استوطنوا فيها). ولقد ألمح بولس مرات عديدة إلى الماضى الوثنى الذى كان عليه من اهتدوا إلى المسيحية (١: ١٢-١٣ و ٢١ و ٢٧؛ ٢: ١٣؛ ٣: ٥-٧)، ومن المحتمل أنه كان لكولوسى نصيبها المناسب في تلك الممارسات الدينية المتنوعة والتي تميز بها الشرق الأوسط القديم. وإننا نجد في هذه المجتمعات الآلهة القديمة للثقافة اليونانية الكلاسيكية التي كان لها أتباعها ومريدوها، وعلى النحو الذى نراه في الديانات السرية، التي وعدت أتباعها بالدخول إلى العالم السرى الأعلى حين يخضعون أنفسهم للممارسات الصحيحة التي تحقق لهم الدخول إلى هذا العالم. وبمرور الزمن وبانتقال القوم من منطقة إلى أخرى، تداخلت هذه الديانات فيما بينها، وتوارت الفروق المختلفة في ممارساتها واكتنفتها ضبابة تغشى البصر، ومن ثم صارت الظاهرة المعروفة بالتوفيقية الدينية والتي تعنى امتزاج الأفكار والممارسات الدينية للشعوب، والتي تمت على نطاق واسع وإن تعدّدت المنابع التي استمدت منها أصولها، أقول إن هذه الظاهرة صارت أمراً عادياً مألوفاً في هذا المجتمع القديم. وفى نفس الوقت، وكما يتضح لنا من (أعمال ١٥: ٢١) كان لموسى ممثلين في كل مدينة، فلقد كان يوجد في كل مدينة مجمع أو أكثر لليهود، وقد وجد بالإحصاء أنه حوالى هذه الفترة كان عدد اليهود الذكور الراشدين في المنطقة المحيطة (لاودكية) يصل إلى حوالى أحد عشر ألف نسمة، وكان يوجد في روما في ذلك الوقت ما بين أربعين إلى خمسين ألفاً من اليهود، من مجموع سكانها البالغ عددهم نحو المليون باستثناء (العبيد). ونحن نعرف من مصادر متنوعة أن اليهودية، كانت بصورة أو بأخرى، جذابة لكثيرين من الوثنيين، الذين سئموا من الفوضى واللاأخلاقية التي عليها خلفيتهم الوثنية، كما يبدو من المحتمل أنه سيكون للمسيحية تأثيرها المماثل