سراج الكلمة
‹صفحة ١٦ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ١٦

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


الكبير للرسالة، والذي يتكشف بدوره بنفس الأسلوب، يبتدئ بولس بآيتين من الآيات الخلّاقة المبدعة والحافلة بالمعاني الخصبة (٢: ٦-٧) والتى تنطوى على وصيته الأساسية «أن يسلكوا في المسيح». وبعدها نراه يهاجم بعض التعاليم التى تحول دون تحقيق أهل كولوسي لهذه الوصية بتمامها، وبالطريقة الكاملة النضج التى يتوق إلى أن يراها (٢: ٨-١٩). ومركز مناشدته كامن في حقيقة كون المسيحيين «مدفونين معه في المعمودية التى فيها أقمتم أيضاً معه» (١٢:٢). وتكشف هذه الفكرة بدورها في (٢: ٢٠-٣:٤) مقدمة مزيداً من الإرشادات التفصيلية. إن مناشدته ذات الحدين: إذاً إن كنتم قد مُتُّم مع المسيح... فإن كنتم قد قمتم مع المسيح... (۲۰:۲، ۳:۱) ما لبث أخيراً أن يتوسع فيها بإسهاب في الفقرتين (٣: ٥-١١، ٣: ١٢-١٧)، ويختتمها بوصيته في (٣: ١٧) «وكل ما عملتم بقول أو فعل فاعملوا الكل باسم الرب يسوع شاكرين الله والآب به»، وهذه تقريباً هي لب ومادة مناشدته بأكملها. ولكن الصورة التي يرسمها بولس للحياة الجديدة ليست من قبيل التعميمات، ذلك لأنه يطبقها تفصيلياً في مجالين من مجالات الحياة: البيت (٣: ١٨-٤: ١) والعالم (٤: ٢-٦). وهكذا يختتم الجزء المركزي أو الأساسي من الرسالة من حيث ابتدأ، بتصويره الله عاملاً في العالم من خلال الإنجيل (انظر ١: ٣-٨). أما القسم الأخير من الرسالة (٤: ٧-١٨) فإن بولس يبعث فيه بتحيات رفاقه العاملين معه إليهم وإلى الكنائس الأخرى التى إلى جوار كولوسي. وهذا الجزء الختامي من الرسالة هو بمثابة تذكرة بأننا لا نتعامل فحسب مع حقيقة مجردة بسيطة في ذاتها، وإنما مع رسالة من لحم ودم، وأن من واجبنا أن نتعامل معها على هذا الأساس إذا أردنا لها أن تبوح لنا بما تنطوي عليه من أسرار. هناك نقطتان حول هذا المخطط التمهيدى (والمقام على أساس البيان التخطيطى الوارد في تحليل الرسالة صفحات (٣٥-٣٦) وما بعدها. يجب علينا الالتفات إليهما. ففى المقام الأول نرى أن بولس لا يكتب كما قد نظن معالجة لاهوتية قياسية، مبتدئاً بالتعليم ومنتهياً إلى الأخلاقيات أو «التعليم العملى»، فإن الأمر بالنسبة إليه إنما في جملته تعليم، وهو في جملته أيضاً ممارسة عملية، وكله عبادة لأن المسيح هو كل شئ. والأمر الثانى الذى يجب علينا ملاحظته هو في واقع أمره أن كل جزء وكل فرعية في جسم الرسالة يجب علينا تجميعه بكل دقة وربطه بالمسيح نفسه. وهذا يوضح حقيقة هامة عن الرسالة إلى أهل كولوسي: إن قوتها الدافعة مستمدة مما جاء في ١: ١٥-٢٠. إن السبب الحقيقى الذى من أجله يجب على أهل كولوسى أن يشكروا الله من أجله هو يسوع المسيح، وأنهم لو فعلوا ذلك ممتلئين بالمعرفة والفهم لما هو عليه، وللعمل الذي قام به، فإن أى شئ آخر يكون قد وضع في المكان المناسب له.

٢- ظروف كتابة الرسالة

إن معاملة رسالة كولوسي باعتبارها رسالة حقيقية يعنى أن نسأل متى، وأين، ولماذا كُتبت، ومن الذى كتبها، وذلك على الرغم من أنها ظاهريا تُنسب إلى بولس (١:١، ٤: ١٨ وأيضاً في العديد من التضمينات الواردة في الرسالة)، ومع ذلك فليست هذه قناعة كل علماء الكتاب المقدس بكتابة الرسول نفسه لها. ومن الممكن أن نجادل في موضوع التأليف البولسى بأسلوب ضاغط مقنع، ولكننا لو فعلنا ذلك هنا فإنه سوف يكون بمثابة صورة طبق الأصل لعمل الكُتّاب المحدثين الآخرين. ومن هنا فضلت أن أعالج الموضوع عن طريق مختلف.