سراج الكلمة
‹صفحة ١٥ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ١٥

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


مقدمة الرسالة

إن رسالة كولوسي هي واحدة من أقصر رسائل بولس، وهي أيضاً واحدة من أعظم رسائله المثيرة. وقد كتبها داعياً شعب تلك الكنيسة الناشئة لاستكشاف ماهية الإيمان بالمسيح واتباعه، وفيها يشاركهم بولس مشاعر التعجب، وفي نفس الوقت يشجعهم لاستكشاف كنوز الإنجيل ولتنظيم حياتهم بمقتضاه. وفي الحقيقة فإن هذه الرسالة تنطوى على لغة تستثير إلى حد كبير ذكرياتهم وعواطفهم، إذ تتضمن كلاماً عن الإنجيل، وعن يسوع المسيح، وعن القداسة، وعن الكنيسة، حتى إنه من السهل أن يفلت من أيدينا زمام النسيج الكامل للرسالة، ولا يبقى أمامنا إلا أن نلتقط الشئ القليل من التفصيلات. ولكن إذ كان من الأمور التي تستحق الاهتمام أن نقف على التفصيلات، فإن الرسالة بأكملها تستحق اهتماماً أكبر فهى ليست مجموعة منوعة من الأفكار المفيدة، بل هى رسالة خاصة كتبت إلى جماعة خاصة في موقف معين واجهته في تاريخها الباكر. وفي الحقيقة فإن إيماننا بكون رسالة كولوسي من أسفار الكتاب المقدس الموحى بها، هو بعينه الإيمان بأن الله قصد أن يقول مثل هذه الأمور لهذه الكنيسة، وبعمله هذا فهو يخاطب على نحو ما الكنيسة في مجموعها.

ولكن ماذا كانت هذه الأمور؟ ولماذا كانوا في حاجة إلى أن نتحدث إليهم عنها؟ وما هو مدى مناسبتها لكنيسة أخرى في مكان آخر وفي زمان مختلف عن زمانها؟ وأخيراً فإن هذه التساؤلات لا يمكن أن نجد الإجابة عليها إلا إذا ما مضينا في استعراض الكتاب، ومع ذلك فهناك النقاط المبدئية التي يمكن الكلام عنها في هذه المرحلة.

١- شكل وهيئة الرسالة

إن رسالة كولوسي، شأنها شأن غيرها من الأسفار، تتشابه مع معظم السيمفونيات والتمثيليات والقصائد الشعرية، وهى ليست من ذلك النوع من الأعمال التي يمكن تقطيعها إلى وحدات متتابعة، تماثل البوصات المنفصلة المدرجة على المسطرة. وعلى هذا فإن التحليل البسيط للمحتويات ليس كافياً ليوقفنا على حقيقة ماهية السفر. إنها أكثر ما تكون تماثلاً مع زهرة، تنمو من برعم صغير إلى برعم أكبر منه، وتأخذ في التفتح تدريجياً، كاشفة عن طبقة فوق طبقة، عن (البتلات) التي كانت مختفية بداخلها. ولسوف يمكننا أن نلاحظ باختصار عملية التفتح هذه على النحو التالي:

بعد التحية الافتتاحية (١: ١-٢) تأتى صلاة شكر بولس الكبيرة من أجل كنيسة كولوسي (١: ٣-٨) والتي تتحول إلى شفاعة لأجلها (١: ٩-٢٣). وصلاته أساساً لأجل أن تتعلم هذه الكنيسة الناشئة كيف تشكر الله من أجل ما فعله لهم في المسيح. ومن هذه الصلاة تبرز إلى حيز الوجود عبارة بولس الاستهلالية التي تفصح عن هدفه من الكتابة (١: ٢٤-٢: ٥): النضوج المسيحى الذي يتطلبه في صلاته لأجل أهل كولوسي والذي يعمل الآن من أجل الوصول إليه من خلال كتابته لهم. وبهذا الأمر يصل البرعم إلى كامل تفتحه، كاشفاً عن القسم الأوسط