سراج الكلمة
‹صفحة ١٥٥ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ١٥٥

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


سيحصل على البر الذى له (أى لبولس) فى عيون فليمون، فإنه من جانب سوف يأخذ على عاتقه مسئولية خطايا أنسيمس. «إن كان قد ظلمك بشئ أو لك عليه دين فاحسب ذلك على». إننا لا نستطيع أن نقول بصورة مؤكدة عما إذا كان بولس يشير إلى سرقة من جانب أنسيمس. ولكن الأمر قد يبدو شاذاً أن نقول بالذى يفعله بولس إذا علم أن فليمون ليس لديه أية مبررات للشكوى، أو حتى إذا لم يكن متأكداً من الموضوع. «من برر نفسه سيتهم»، ومن ثم يبدو محتملاً أن العبد اليافع قد سرق سيده لكى يزود نفسه بما يحتاج إليه فى رحلته على الأقل حتى يصل إلى المدينة (١١). ومن المحتمل أن هذا كان الجزء الأكثر إيلاماً فى الموضوع من وجهة نظر فليمون. ومن حيث أن بولس قد هدّأ الموضوع من جميع نواحيه ليقلل من مصدر الشكوى إلى الحد الأدنى، فإنه الآن يعالجها بالأسلوب الذى يكفل البرء منها بأسرع الوسائل الممكنة. فتوضع ديون أنسيمس فى دفتر الحسابات تحت اسم بولس، وهناك سوف يجدون أنها قد صارت أكثر من ملغاة. إنها تختفى بالكلية بنفس الأسلوب الذى وضعت به الخطايا على عاتق المسيح على الصليب.

(عدد ۱۹): يفرز بولس هذه النقطة بملاحظة ساخرة تهكمية «أنا بولس كتبت بيدى أنا. أوفى». وليس فى استطاعتنا أن نقول عما إذا كان بولس قد أخذ القلم من كاتبه للمرة الأولى (انظر الشرح على كولوسى ٤: ١٨)، أو عما إذا كانت هذه الآية تبين أنه كان يكتب هذه الرسالة الخصوصية جداً كلها بنفسه وبيده، وإن كنت أميل إلى الأخذ بالرأى الأخير. إن الأمر الهام هو أن ذلك المطلب العسير حقاً، وهو أن يتسامح فليمون في الظلم الفعلى الذى وقع عليه، قد تم ليس فقط بمحاجة رقيقة مصقولة الحواشى، بل فى نفس الوقت باللهجة المناسبة الصحيحة. وليس في هذا الأمر أى شئ ثقيل الوطأة. ومع ذلك فإنه مهما كانت أحاسيس فليمون قد اختلطت عليه بسبب الآية ۱۸، فلابد أن تكون شفتاه قد ارتعشتا وهو يقرأ الآية ۱۹ وهو يرى كيف يتم تعذيبه بطريقة لطيفة ولكن فعالة «لا أقول لك إنك مديون لى بنفسك أيضاً». إن بولس يستخدم هنا كما استخدم فى الآية ٨ الأسلوب البلاغى الشفاف البارع معلناً بأنه لن يذكر شيئاً، وإن كان بالطبع يذكره (قارن ٢ كورنثوس ٤:٩). إن هذه الآية هى التى تخبرنا أن فليمون مثله فى ذلك مثل أنسيمس قد اعتنق المسيحية عن طريق خدمة بولس. ومن هنا فإنه مديون بذات نفسه إلى بولس، نفسه الحقيقية التى وجدها وأصبح فيها عندما صار للمسيح. وهذا الدين يفوق بالطبع أى دين مادى يمكن أن يكون بولس قد جلبه على نفسه بأخذه على عاتقه مديونية أنسيمس.

(عدد ۲۰): يستمر بولس فى تهكمه الساخر اللطيف. فإذا كان الموضوع موضوع ديون، فإن لبولس الحق في أن يطلب أرباحه عن استثماره فى «فليمون»: «نعم أيها الأخ ليكن فرح بك فى الرب»، إن هذه الترجمة بالكاد تؤدى المعنى الذى يحمله النص اليونانى، والذى يمكن أن يكون التعبير عنه على هذا النحو: «نعم، أيها الرجل المحبوب إذ أفكر الآن فى الأمر، فإنى أريد بعض العائد منك!». إن الكلمة التى تدل على العائد (الربح) هي في اليونانية (Onaimen)، وهي من أصل واحد مع كلمة (Onesimos)، وتوحى اللهجة الكاملة للفقرة، والتى


(١١) يحاول (هولدن) ان يقلل من أهمية السرقة ويقول إن إساءة أنسيمس كانت بسيطة وإن فليمون كان "شخصية حادة الطبع" يحتاج لأقل إساءة.. لكن وجهة النظر العادية تبدو مفضلة حسب القرينة.