رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
الميلادي، قد اعترتهم الدهشة للمماثلة بين المعاملة السمحة الكريمة التي عامل بها يوسف إخوته في مصر: «أنتم قصدتم لي شراً. أما الله فقصد به خيراً» (تكوين ٥٠ : ٢٠). لقد كان لدى يوسف، مثل بولس، إيمان راسخ في العناية الإلهية المهيمنة على خطايا البشر وحماقاتهم، إن طول الأناة والمسامحة تنموان جيداً في مثل تلك التربة.
ولكن بأي معنى سوف يسترد فليمون عبده للخير؟ إن الكلمة المترجمة «للخير» قد يكون لها أساساً دلالة روحية. سيكون فليمون وأنسيمس إلى الأبد إخوة في المسيح. ولكن إذا كان هذا هو كل ما قصده بولس، فإنه لم يكن في حاجة إطلاقاً إلى أن يعيد أنسيمس إلى فليمون. فلقد كان في إمكان تيخيكس أن يحمل معه مذكرة إلى فليمون مختلفة عن الرسالة التي حملها إليه، وأن يبقى أنسيمس مع بولس، وأن تتم من الناحية النظرية المصالحة بين الطرفين. ولكن ليس هذا هو الخير المقصود بمعناه الشامل. إن الجملة الختامية للآية التالية (وترجمتها الحرفية «في الجسد والرب» تبين بالأحرى أن المقصود من الكلمة اليونانية aionion) هو أن تحمل في ثناياها كلا المعنيين «إلى الأبد» و«بصورة دائمة»(١). وفي الواقع ربما تلمح الآية ٢١ إلى نتيجة نهائية مختلفة تماماً. ولكن يجب أن يكون فليمون مستعداً على الأقل لقبول أنسيمس على أساس ثابت مستقر. ومما له مغزاه أيضاً أن أنسيمس (مثل الابن الضال) يجب أن يكون مستعداً للعودة على نفس هذه الشروط. إن تبادل التحيات يُبقى فحسب على المظاهر لعدة أيام، وبعدها يمضى كل واحد إلى حال سبيله، ومن ثم لا تكون هناك مصالحة حقيقية.
(عدد ١٦): ومن ثم، فلربما يكون قصد الله أن يسترجع أنسيمس «لا كعبد في ما بعد»، بل أفضل من عبد، أخاً محبوباً». إن ملتمس بولس ليس هو العتق من العبودية بل إنه ببساطة تطبيق عملي لما قيل عن العلاقات بين السادة المسيحيين والعبيد بحسب ما جاء مثلاً في (١كورنثوس ٧: ٢٢ أو كولوسي ٣: ٢٢-٤: ١). وحتى إذا ما كان أنسيمس سيعود إلى الوضع الذي كان عليه، فإنه لن يكون على الإطلاق مجرد عبد، أو أداة تسير على قدمين في بيت فليمون. إنه الآن أخاً محبوباً ولا سيما إليّ فكم بالحري إليك»، إن بولس لا يكرر في الواقع كلمة «محبوباً»، ويبدو كما لو كان يقصد في المقام الأول أن يتوقف عند عبارة «أخاً محبوباً». إن هذا هو الأسلوب الذي يجب على فليمون مراعاته في معاملة أنسيمس. ومن ثم فإنه بعد ذلك يضخم هذا الأمر بقوله: «ولا سيما إليّ». إن على فليمون أن يعامل أنسيمس كأخ محبوب لبولس، وبعد ذلك يغير بولس اتجاه الحديث مرة أخرى، باتخاذ الخطوة الإضافية التي سوف تجعله على مرمى حجر من الأوامر الأخيرة في الآيتين ١٧ و١٨: «فكم بالحري إليك»، ربما يبدو هذا أمراً شاذاً. لقد بدأت العلاقة بين بولس وأنسيمس بالطريقة الملائمة الصحيحة، ولكن فليمون كان على حق في أن يغضب من عبده السابق. إلا أن بولس كان يعنى ما يقوله، إنه من دواعى الفرح الغامر أن يتحول أحد أفراد أهل بيتك إلى المسيحية (حتى ولو كان فيما مضى غير نافع) أكثر مما يكون عليه الحال عندما يؤمن أحد الغرباء. والأمر الثاني هو أن أنسيمس هو في الواقع أخ لفليمون، من حيث أن بولس هو «والد الاثنين» «في الرب». ومن ثم فإن أنسيمس سيكون محبوباً إلى فليمون كإنسان وكأخ في الرب، أو
(١) هذا هو الموضع الوحيد حيث نجد أن لغة العهد القديم المتعلقة بشريعة العبيد توضح لنا بصورة مؤكدة تقريباً من خلال ما جاء في خروج ٢١: ٦ عن حالة العبد الذي يرفض الحرية الممنوحة له ويختار أن يبقى مع سيده في رباط دائم معه إلى الأبد..