رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
(عدد ١٤): وكما تخلى بولس عن حقوقه (الآيات ٨-٩)، فهكذا الآن يتخلى عن خياراته: «ولكن بدون رأيك لم أرد أن أفعل شيئاً». إن صيغة الفعل «لم أرد» تشير إلى عمل منفرد للإرادة، بالمقابلة مع صيغة الفعل الناقص السابقة: «لقد كنت أشاء...». إن هذا التعبير لا يتضمن أن بولس يطلب من فليمون أن يرد إليه أنسيمس. إن كل ما يعنيه الفعل اليونانى أن بولس لم يشأ أن يتخذ أى إجراء بدون أن يكون فليمون طرفاً في المناقشة. وهذا لكى لايكون خيرك كأنه على سبيل الاضطرار بل على سبيل الاختيار. إن عبارة «أى معروف تعمله» هى عبارة في الإمكان أن تكون مضللة. إن بولس لا يريد معروفاً، ولكن المعنى الحرفى «خيرك» والتى تربط هذه العبارة بعبارة «كل الصلاح» في الآية (٩). إن من واجب فليمون أن يعمل ما هو للخير والصلاح في هذه الحالة. ولكن بولس يريد أن يضعه في موقع الذى يصنع القرار بتلقائية. فعندما يكون الله عاملاً، فإن جميع العاملين على مسرح الأحداث تكون لهم أهميتهم. إن الكلمة المترجمة هنا «بتلقائية» لا تعنى أن العمل لم يخضع للروية والتفكير المتأنى ولكنه بالأحرى يبين أن الشخص المعنى قد وصل إلى قناعة راسخة بالموضوع وأنه سعيد بتنفيذه. وهى هنا ليست بالمعنى المضاد لكلمة التروى وتقليب الأمر وإدارته في الذهن مقدماً، وإنما هى المعنى المضاد لكلمة الذى لا يريد أن يقوم بالعمل باختياره.
وعلى هذا فإن بولس يصوغ طلبه في لغة لا يمارس فيها أى إكراه خارجى يقلل من شأن الذى يخاطبه. وبديلاً لذلك فإن تلك اللغة تخلق قرينة جديدة يستطيع فليمون من خلالها أن يفهم الموقف من وجهة نظر الله (انظر ثانية الآية٦)، وهكذا يمكنه أن يرغب في عمل الخير والصلاح لنفسه. إن مساعدة أى فرد على الوصول إلى اتخاذ القرار الذى يجب أن يظل قراره الشخصى لا يعنى استعباده، وإنما يعنى منحه الحرية في صنع قراره بمحض اختياره. وهذه هى طبيعة سلطان بولس «في المسيح» إنها مسئولية شافية خلاقة والتى عن طريق بسطها حقائق القضية، لاهوتياً، وعملياً، ورعوياً، تدعو المسيحيين إلى استنباط النتائج الصحيحة إيمانياً وعملياً. وربما يكون بولس يلمّح في لطف، وبطريقة عرضية إلى ما يقوله فعلاً. ويبدو كما لو كان يطالبنا بأن نتأمل مدى الفرق الذى يحس به الفرد عندما نتعامل معه ككائن من البشر، وليس كمجرد قطعة من الأثاث لا تعى ولا تفكر.
(عدد ١٥): وفى هذه العملية التى تتضمن محاولة أن نفهم الموقف من وجهة نظر الله وهكذا تأتى استجابتنا له بالأسلوب المسيحى، هناك في كل حين مكان للتفكير المتحفظ حول مقاصد العناية الإلهية والتى ربما تشكل الأساس للأحداث الغريبة. فإذا كان حقاً أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله (رومية ٢٨:٨)، فإنه حق أيضاً أنه يتاح أحياناً للمسيحيين وبقدر محدود، امتياز أن يقفوا على لمحة من كيفية إنجاز هذا الأمر. إن كلمة «ربما» التى في صدر الآية هى إحدى المؤهلات الضرورية لكل مثل هذه الادعاءات. ومع ذلك فهى تبقى مسألة إيمان وليست مسألة عيان. وعلى هذا فلربما يكون بولس موحياً، بأسلوب تقليدى غير مباشر، أن يكون الله قد قصد أن يهرب أنسيمس، حتى يمكنه أن يجد المسيح لنفسه، بدلاً من أن يتوصل إلى الإيمان بطريق غير مباشر، أو أن يقع في شراك المسيحية المظهرية في بيت سيده. ومن ثم «فإنه ربما لأجل هذا افترق عنك لفترة قصيرة لكى تسترده في ما بعد للخير..». إن قراء هذه الرسالة، وعلى الأقل منذ أيام يوحنا ذهبى الفم في القرن الرابع